الأربعاء، 9 سبتمبر 2015




 
الأبيض إكسسوار الروح... والرقص انتشاؤها

                                                -  مؤيد داود البصام

  أسماء مصطفى.الممثلة والمخرجة .

       تعتبر الفنانة أسماء مصطفى، من الفنانين الذين لهم حضور على خشبة المسرح الأردني، وحازت على عدة جوائز لأدوارها، كان آخرها مسرحية ( صبح ومسا) للمخرج غنام، وهي وان عملت مع الفنان المخرج غنام غنام في أهم مسرحياته ، إلا أن لها شخصيتها المستقلة على صعيد الأداء، وإن أختلط الحلم بينهما فناً وحياتاً، وكانت أولى تجاربها لارتقاء خشبة المسرح مع الفنان العراقي المخرج سليم الجزائري،  في مسرحية ساحر أور، ثم قدمت أعمالاً إلى جانب تمثيلها في مسرحيات متعددة ومتميزة،  ففي عام 2009 أخرجت أول عمل مسرحي للأطفال،  وأخرجت عام 2010 أول مسرحية للكبار، وهي مسرحية (سلَيمى ) ، ولم يقتصر عملها على الإخراج،  بل قامت ببطولة المسرحية، وكتبت نصه الذي ولفته من ثلاثة نصوص،  وهي مسرحية (انتيجونا) لسوفكليس الإغريقي، وكتاب (نسيم الروح) للحلاج، ومن ديوان محمود درويش (حضر الغياب)، وخاصة قصيدة ( لاعب النرد )،  لتخرج بنص مسرحية (سليمى )، وهي موضوعنا .
  النص بتحولاته الثلاثة
       الخ.مسرحية انتيجونا لسوفكليس، مساحة واسعة في عروضها العالمية، وأعاد كتابتها الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت، لتعبر عن وجهة نظره، وقدمت برؤى متعددة، ومثلت في سياق تأويل رؤية المخرج الذي يقدمها، ففي الأرجنتين عرضت لتعبر عن الآلام التي تعانيها الأمهات وثورتهن في ميدان ( دي مايو ) وهن يحملن صور أبنائهن الذين اختفوا على يد الحكومة الأرجنتينية المرتبطة بالمخابرات الأمريكية، وما قامت به من تعذيب وقتل واختفاء لأولادهن،  وبرزَ العمل نضال النساء الثائرات ضد الظلم والقوانين المتعسفة لقهر الشعب، فالمسرحية بما تحويه من أفكار تحمل الصرخات الإنسانية ضد الظلم بصوت انتيجونا،( ولدت لأحب لا لأبغض )، وهي قابلة لان تقدم هذا التفسير في حالة الثورة والتمرد على القوانين الجائرة، والحاكم الظالم في إي وقت وعصر،  فانتيجونا تحدت السلطات ورفضت إن تذعن لها بعدم دفن جثة أخيها، وضحت وذهبت مختارة للموت لإنقاذ روح أخيها، وقدمت المسرحية على خشبة اغلب المسارح العربية برؤى مختلفة، ومنهم من أخرجها كما هي حسب كلاسيكيات المسرح دون إضافة أو تأويل ومنهم من قدمها بتأويل وإخراج حدا ثوي، أما شهيد التصوف الإسلامي الحلاج، (كما سمته وخلدته الأدبيات)، الذي أكتسب شهرة واسعة لأنه حوكم جوراً ونفذ فيه حكم الموت بصورة بشعة، لموقفه من السلطة الحاكمة بصورتيها المدنية والدينية، فقد عبر في أشعاره أو أقواله، عن الوله في العشق الآلهي، والذوبان  شوقًاً للقاء المطلق، ومجد في أشعاره الحب والتوق لحياة الآخرة، مفضلا إياها على حياة الدنيا الفانية،  واقتبست أقواله من كتاب ( نسيم الريح ) ، وإذا جاء التوليف الثالث من أشعار محمود درويش الشاعر الذي شكل مراحل ومتغيرات متعددة في شعره على مدى عدة عقود من حياته الزاخرة بالعطاء، وروح التمرد التي حكمت شعره على كل ظلم، كان آخرها بما أتسمت أشعاره بالرؤية الفلسفية الوجودية للحياة، ومقارباته المبنية على الالتزام الإنساني للمصير البشري، وتجد في إشعاره إلى جانب الرؤية الفلسفية، لفكرة الحياة والموت والنصر والهزيمة، الإيحاءات والإدخالات  للموروث والتراث الشعبي والأساطير، وحسب رأي كاتبة النص والمخرجة فإنها وضعت رؤاها على أساس وحدة المصير الذي ارتبطت به نظرة الشخصيات الثلاث إلى  قضية الحياة والموت فتقول ( من هنا جاءت التوليفة بين تلك الشخصيات وما يربطها من قواسم في فلسفة الحب والحياة وعشق الموت، والثلاث ذهبوا باختيارهم لقدرهم )، وقد اختارت شخصية (سليمى) لتكون بديلا عن انتيجونا، وتنطق بما قاله الحلاج ودرويش، في ثنائيات إنسانية متعددة، الحياة والموت،  الحب والكره، العدل والظلم...الخ .
       الإخراج       
       اتكأت المخرجة في بناء فضاء العمل على التجريد، في محاولة لإعطاء إبعاد الرؤية الفكرية، لرؤى وفلسفة النصوص التي أخذت منها، وجرها على الواقع الذي نعيشه، ضمن مفهوم ( حياة المرء منذ خروجه من رحم الموت حتى رجوعه إليه مرة أخرى )، تبدأ المسرحية بمشهد بصري، يصور خروج الإنسان من الرحم،  (قبره الابتدائي)، وتنتهي بعودته إلى القبر بعد حياة حافلة بالعذابات والتساؤلات من جدوى الرحلة، تبدأ الحياة بصرخة الطفل خارجا من سجنه وتنتهي بصرخة الوداع، " من الموت إلى الموت " ، وبما أن النص يستند أساساً على نص للمرأة  قوة الحضور، اهتمت المخرجة بمنح المرأة هذا البعد الدلالي، الذي هو ثمرة الثقافة الحداثوية، فعالم المرأة عالم الخيال والسحر والأحاسيس الخفية، عالم تتوق فيه المرأة للتمرد على القيود التي تكبلها، فجاء متوازيا مع توق البشرية للتمرد على قيود الجسد للانطلاق نحو المطلق، فأخذت جسد الممثل التمثيلي لتدمجه بالحركة المليئة بالطاقة، كما تأخذ بها الطرق الصوفية وبالذات الطريقة الملوية، التي تجعل الراقص مركز العالم وكل شيء يدور من حوله، وليس كما نتصوره في دورانه، وكأنه هو الذي يدور حول الأشياء، ففي حركته يعزل الجسد، وتتحرك الروح للاتحاد  مع الكون فلا يعود للجاذبية حكم عليه، وفي هذه الرقصة التي تمثل ألتوق للانعتاق وتحقيق النشوة للوصول إلى المطلق، يمثل الرقص الدينامكية المحركة لهذا الشوق، وقد اعتمدت المخرجة هذا البناء في مسرحيتها، وجعلت الكلمة منفصلة تأتي من البعد المادي للمؤدين، وكأنها تأتي من عالم الروح الخارج عن سلطة الجسد، في محاولة لاستكمال العناصر الرمزية التي حاولت خلقها، فكان لحركة الجسد الفيزيائية أهمية كبيرة في خلق هذه الأجواء، كما أنها استخدمت الديكور المعبر عن الرحلة التجريدية للحياة، بان جعلت كل شيئا بسيطا، وأخذت اللون الأبيض لون الروح بشفافيتها ونقائها، لينسجم مع نشوة  الرقص، استطاعت المخرجة أن تقدم عملا ، تحرك فيه روح التساؤل والفعالية الجمالية، وظلت الأسئلة التي تؤرق الإنسان، هي المحور في العرض . أشترك معها في تقديم العمل، (تأليف موسيقي) مراد وجوزيف دمرجيان، موسيقى عبرت عن الفهم للروح الصوفية لحراك المسرحية، كما نجح محمد الرواشده في التواشك بين إشاعة روح النقاء بالبياض والإضاءة البسيطة ولم يغرق السنوغرافيا في ألوان السبوت لايت، وكان  الغناء بصوت مي حجارة، ومحمد طه إيقاعات مع سليمان الزواهرة، إضافة لمشاركة الفنان ياسر المصري الذي سجل إشعار درويش بصوته، حضور واضح في البناء التعبيري الذي عمل عليه الجهد الإخراجي، مع عموم السنوغرافيا .

وجهة النظر في النص والإخراج
       إذا أخذنا النص بتوليفته بشكل عام، فهو محاولة للربط بين عصور مختلفة ولمجتمعات مختلفة، ولكنهم يشتركون في البحث بنظرة واحدة إلى قضية وجود الإنسان، في مسألة الحياة والموت التي أرقت البشرية ولم يصلوا بها  إلى حل، ولكننا إزاء اختلاف وجهات النظر في توظيف هذه الحقيقة بين كاتب وآخر، فإذا كان سوفكليس وظفها لأجل التضحية والإخلاص والتحدي، والوقوف ضد الظلم، مع صرخة انتيجونا "( ولدت لأحب لا لأبغض )، فان الحلاج نظر لها من زاوية مختلفة، هي انعتاق الروح من الجسد للوصول إلى المطلق، لأنه يرى الدنيا زائلة والآخرة باقية، لهذا فان أفعال الروح محكومة بإمكانية قوة الإرادة والإيمان وإلا وقعنا بالخطيئة إن لم نحسن التصرف، والحب الآلهي والتوحد معه هو الذي يجنبنا الانزلاق، وهذا التوحد يغمر الإنسان بفيض، لا يعود للأشياء المادية مكانا لها قي وجوده، حيث يقول " يانسيم الريح قل للرشا \ لم يزدني الورد إلا عطشا \ لي حبيب حبه وسط الحشا \ لو يشاء يمشي على خدي مشى ". في الوقت الذي تتمثل الرؤية الدرويشية المستقاة من وجهة النظر الفلسفية الوجودية للحياة، الفلسفة التي تمجد وجودية الإنسان الفرد، كونه المكون لمعنى وجوهر حياته، ويملك حريته الفردية في تقرير مصيره، وأكدت على قابلية الإنسان على الثورة، لأنه يعيش أزمة عصره، لوجوده في عالم القهر والاستلاب، ولعدم أمكانية أن يخرج من هذا الانغلاق الذي وضع فيه،  فان الثورة ولدت للرد على هذا القهر، ولتوكيد قدرة الإنسان على مقاومة العدم، وهو ما يوضحه الاستشهاد الذي أخذته من الجدارية لدرويش، " هذا البحر لي \ هذه الهواء لي \ لي جسدي المؤقت \ حاضرا أم غائبا \ متران من التراب يكفياني ألان \ التاريخ يسخر من ضحاياه ومن أبطاله \ يلقي عليهم نظرة ويمر" ،  إذن لدينا ثلاث وجهات نظر لمسالة واحدة، وأن كتب المفكر الراحل عبد الرحمن يدوي، بحثا في البرهان لإثبات إن الوجودية هي شكل من إشكال التصوف، بأنساقها التي ظهرت فيها على أكثر من صعيد ومنطق ومكان، وهو ما حاولت كاتبة النص توليفه ليعطي معناً واحداً، ولكن الرؤية المضببة في هذا التطابق،  لم يتحقق على صعيد النص، ولم يستطع النص أن يوصل لنا ما أرادته كاتبته، في قولها، " الحقيقة الوحيدة هي الموت " ، وهي مسلمة لا يختلف عليها اثنان، ولكن ما تعني في منظورها الآني، هل هي دعوة لاستمرار الثورة ضد الظلم، أم أطروحات الرأسماليين وقادة ما بعد الحداثة، بقلب الأمور وجعل نضال الشعوب والأمم إرهاب، وما تقدمه الدول الإرهابية وقادتها القتلة، هو الديمقراطية والحب والسلام تحت مظلة الرأسمالية، فجاءت العبارات متداخلة متباعدة المنطلق، ولم توضح الاتجاه الذي تصب فيه، وهو ما جعل العرض لا يمنحنا الغ الشكل، وهو ما حاولت المخرجة من سد هذه الثغرة بتكثيف حركة الجسد على العبارة المنطوقة وجعلت العبارة، تحاور الفكرة من خلال الأغنية والصوت الخارجي، ولكن البعد الدلالي للحركة الجسدية، حكمته انطلاقتان رؤية الحلاج الانعتاقية الروحانية، وفكرة الثورة ضد الوقائع الحسية لانتيجونا ودرويش، وعلى الرغم مما بذله الراقصين، حنين العوالي، أسامه المصري ,حنين طوالبه، ريما دعيبس، علاء السمان وعبد الله العلان، ألا إن هناك ضعفا في الانسجام في وحدة الحركة بين المجموعة، التي حاولت المخرجة أن تبرزها كنص يمثل وحدة الحال، أو كحركة لتثبت المعنى التعبيري الذي اشتغلت عليه، فعندما بدأت أغنية سُليمى في الدقيقة تقريبا الثلاثين، عادت الفرقة الراقصة إلى نقطة البداية في حركاتها ولم يتغير إلا حركة الممثلة الرئيسية، فما المعنى التعبيري الذي أراده الإخراج، إن لم يلخص لنا ما توصل إليه في نهاية الثلث الأخير للعمل، لفهم الرموز وتطابق المعاني للنصوص، فما هو المعنى الرمزي إذا عادت بالتعبير إلى نقطة البدء ؟ كما أن الممثلة الرئيسية استحوذت على المسرح وأضعفت الممثل المقابل لها (بلال الرنتيسي ) على الرغم مما بذله من جهد ليجاري الممثلة الرئيسية، فهي قدمت جهدا رائعا، ولكنها أخذت من مساحة زميلها .
الخلاصة
      أن وجهة نظرنا في النص والإخراج، لا تحل محل الجهد الرائع الذي بذل في العمل من قبل الفنانة أسماء مصطفى وجميع العاملين في المسرحية، على صعيد النص أو الإخراج أو التمثيل أو الراقصين وبقية مكملات المسرحية، فالعمل جدير بالملاحظة والاهتمام، لان الفنانة أسماء مصطفى طرقت بابا ليس من السهل الولوج إلى داخله ، فالثلاثة الذين أخذت منهم،  يشكلون رؤى إشكالية على صعيد المعنى والرمز، على مدار قرون وعقود كفلسفة حياة، أو معاني رمزية، لوجود الإنسان وصيرورته، وهي النقطة التي يمكن أن تعطي أكثر من معنى ورمز، ومن الصعب حشرها في أفق ضيق، لان فيها أتساع لا محدود . 


أسماء مصطفى.الممثلة والمخرجة .

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

شايش النعيمي ممثل ومؤلف المسرحية


مسرحية الرسالة تحمل أكثر من رسالة
رموز تتحرك بحرية علي الخشبة 



                                                                          -  مؤيد داود البصام

قدم المخرج محمد خير الرفاعي مسرحية ( الرسالة ) من تأليف وتمثيل الفنان شايش النعيمي، علي المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي الأردني، ضمن ( موسم الربيع المسرحي الأول )، وهي من مسرحيات الشخص الواحد ( المنودراما )، إذا لم نضف عازف الموسيقي الفنان محمد البلعاوي، الذي جلس في الزاوية أليسري القصية من المسرح ليعزف موسيقي حية مع إيقاع حركة الممثل، وتمثل الديكور برسم علي الجدار الأمامي المواجه للجمهور، لمجموعة صخور ومعلقة فوقها ملابس جندي، وفي الطرف الآخر المقابل للعازف علي المسرح بئر وجديلة متدلية من السقف في داخل البئر، وثمة كتب وجرائد وأوراق مرمية علي الأرض في مقدمة المسرح، وقنينة شراب ، الديكور أقرب للتجريد منه لواقعية المنهج الذي جاء به النص، لتعميم الفكرة.
اقتصرت الإنارة علي البقع الضوئية التي كانت تلاحق الممثل، أو للإيضاح بالتفريق بين الحالات واللحظات المأزومة للبطل، وبين داخله الذي يفترسه الألم لأنه لم يطبق أو ينفذ وصية والده بالاستشهاد، وبين العالم الخارجي الذي يضغط عليه ويحدد مساراته، في حين استخدم المخرج الإضاءة في مقدمة المسرح في الجزء الثاني من المسرحية عندما يتقدم الممثل إلى إمام خشبة المسرح بمواجهة الجمهور، لإظهار إن الأمور التي كانت مخفية ومضمرة، بانت مكشوفة.

النص
عالج النص الذي كتبه شايش النعيمي وهو الممثل الوحيد في العمل ، مسالة أو محورا ظل نقطة غير مقروءة في السابق بإبعادها الحقيقية، مسألة تضحية ونضال المواطن العربي والأردني بالذات في الصراع العربي الصهيوني، فقد لازمت فكرة النضال بما اختصرت فيه، بسلب الصهاينة لأرض فلسطين، وتركت الإبعاد الأخرى ما وراء قضية الاستيلاء والاستلاب الرأسمالي العالمي، علي ثروات وتراث وتاريخ المنطقة وحضارتها وبناء إنسانها الثقافي والحضاري مهملة أو لم تناقش بصورة جدية، ولهذا انصبت أغلب الإعمال لتتحدث عن جزء من الصراع، ولو كان أهم الأجزاء، وهو احتلال الأراضي الفلسطينية، لوضع موطئ قدم للصهاينة، وبعدها التوسع في فرض الإرادة والهيمنة علي عموم المنطقة، فجاءت معظم النصوص لتتحدث عن ما بعد نهر الأردن حتى تخوم البحر، وفي هذا النص يعالج النعيمي، مسألة غاية في الأهمية، تأخذ بعدين، الأول مشاعر الإنسان العربي إجمالا تجاه القضية الفلسطينية والوجود الصهيوني، وثانيا: تأثير القضية الفلسطينية وإبعادها المحلية والدولية علي الإنسان العربي والأردني خصوصا، ووجه نظر المواطن الأردني ومشاعره وكيف ينظر إلى الأرض وقدسيتها، وقد نجح المؤلف في معالجة المسالة من دون أن يقع في التقريرية والمباشرة، إذ أعطي بعدها الدرامي بالامتداد التاريخي من خلال معانات الفرد، وهو ما يمنحه مسرح المنودراما، كونه عرضا يمثل مجموعة حوادث ووحدات صورية حياتية ، يشكل فيها المنولوج الداخلي والمناجاة الذاتية، وجه الصراع الداخلي للبطل وآثار الضغوط الخارجية عليه، وقدرته علي الرفض لهذه الضغوط، ويتيح المجال للصعود والهبوط من دون النظر إلى المذهب الارسطوي لتحقيق البداية والذروة والنهاية في البناء الدرامي.
المسرحية قصة جندي يرفض بيع بيته، أو المساومة عليه، والمقصود رمزيا (الوطن)، وهي اللحظة التي يتذكر فيها وصية والده التي ضمنها في رسالة له قبل استشهاده في أرض المعركة في (معركة الكرامة)، ولم يستطع الابن من تنفيذ وصية والده، ليس تخاذلا منه وإنما لان القيادات هي التي فرضت رأيها، منذ لحظة إيقاف إطلاق النار عام 1973 وكان وقتها الابن جنديا في ارض المعركة، يحمل حماس وروح التضحية التي زرعها الأب فيه، وما تبع وقف إطلاق النار من اتفاقيات مع العدو، بزيارة السادات ومؤتمر أسلو والمؤتمرات اللاحقة، وصولا ليومنا الحاضر، وما آل إليه حاله وحال المجتمع، إي أنه يقراها مجددا علي ضوء الإحداث، عام 2010.
انقسم النص إلى جزأين ( تقسيم افتراضي)، الجزء الأول الذي قدم لنا وصية الأب لأبنه، ولماذا لم يتمكن الابن من تنفيذها، وهنا مكمن أزمته التي هي ليس ذنبه، وإنما ما جاءت  إليه من الخارج، لان الحلول جاءت بغير أرادته من القيادات التي فرضت رأيها بالموافقة، وارتضت المساومة، وذهبت تضحيات ونضال وكفاح الأجيال في مهب الريح من اجل مكاسب آنية تحققها هذه القيادات لنفسها وليس لشعبها، وفي الجزء الثاني (الافتراضي)، يروي الابن ما حل به وبالمجتمع بعد الاتفاقيات والحلول الاستسلامية، وينتهي إلى أن الحل الحقيقي هو ما سار عليه الإباء من أجل استرداد الحقوق.

التمثيل وعناصر العرض
استطاع الممثل شايش النعيمي إن يقدم عرضا أخاذا، ملئ فيه ساحة العرض المسرحي، بقدرة الممثل المحترف، إضافة لكون العمل جاء مواكبا لأحاسيسه ومشاعره، كونه مؤلف النص، فاستطاع إن يقول كلمته نصا وحركة، مجسدا الأدوار الأخرى التي يتطلب وجودها، ببراعة وإمكانية ممثل يعرف ما يريد، فكانت الحركة والصوت تجسيدا حقيقيا لمعاناة الإنسان المهشم والضائع بين الأوامر التي تصوغ حياته، من دون إرادته، وبين مشاعره ومدركاته وإيمانه، ونجح في تجسيد مختلف الأدوار التي تطلبها النص للشخصيات الموازية، الفنانة أو الجدة.. الخ، في خفة الحركة والانتقالات السريعة والمباشرة، واحتواء صالة العرض، إضافة إلي التنوع الصوتي وتغير التون حسب متطلبات الدور، أو عند تمثيل الشخصيات الأخرى.
وكان لبساطة الديكور الذي عمق الإيحاء بين قدرات الممثل وصراحة الفكرة، وما جسدته الإضاءة في عمق المسرح، وبساطة الملابس والإكسسوارات، إبعادا إيحائية مع مصاحبة العرض بالموسيقي الحية، التي واكبت حركة الممثل بدقة، ومنحت العرض روحا إيقاعيا يتواصل مع اللحظات المأزومة في حياة البطل، والنهاية التي اوحاها العازف، في نهاية المسرحية عندما ترك الآلة واخذ يتصفح كتابا، دلالة علي عدم الاهتمام، وان ما يحدث لا يمت له بصلة، والإيحاء الرائع الآخر هو جديلة الجدة المتدلية من السماء، في أشارة لتواصل الجذور عبر العمق الدلالي الذي يمثله البئر، وعملية الفصل بين الخلفية في عمق المسرح المتمثلة بملابس الشهيد مع الإيحاءات الدلالية للإنارة، وبين الفوضى للكتب والجرائد المنثورة علي الأرض في مقدمة المسرح التي يمثلها الزمن الحاضر.

الرؤية الإخراجية
استطاع الفنان محمد خير الرفاعي إن يحتوي المسرح ويقدم عملا شد المتفرجين خلال ساعة من الزمن، بالعناصر التي ولفها لخدمة النص في العملية الإخراجية، ببناء معماري استفاد من إمكانيات الممثل، فصب جهده علي الرموز والدلالات التي صاغها بدقة ليمنح النص قدرة الترابط بين الممثل والجمهور، خصوصا إذا عرفنا إن المخرج جمع أكثر من أسلوب في تنفيذ العمل، فقد استفاد من الطريقة البرختية في استغلال الإمكانيات الصوتية والحركية للمثل، وجعله يبدو كحقيقة واقعية وليس تمثيلا، حتى لا يضيع التأثير العقلي للمتفرج، وعمل علي خلق روح المراقبة لما بعد الفعل، وابعد المسرحية عن التسلسل المنطقي، لكسر إيهام المتفرج انه يشاهد عملا خارج وجوده وعقليته، بل مندمجا في الفعل ضمن انعكاسا مماثلا، لهذا جاء توظيف المخرج لفصل المشاهد المسرحية بعضها عن بعض، لتظهر ما يشبه حياة الإنسان في حركته وشعوره ونفسيته، وفي الجزء الأخير دفع بالممثل لكسر البعد الرابع وانزله إلى الجمهور، وجر المسرحية نحو مسرح ارتور (مسرح المضطهدين) أو مسرح الجماهير أو المسرح الثوري، ضمن فهم أن مهمة المسرح ليس الاتكاء علي الواقع وتقديمه كما هو، بل تعريته وتفجير تاريخه وكشف المطمور والمسكوت عنه، وإعلان ما يراد إن لا يرى، مركزا بناءه المعماري علي الإيحاءات التي خلقها في أجزاء بسيطة، ولكنها تمثل أهمية في البناء العام، قدسية النهر والماء والبئر والجديلة للجدة، تقسيم حركة الممثل علي المسرح، العمق للتضحية والاستبسال والرؤية النضالية للإحداث والتاريخ، و حرك الممثل في مقدمة المسرح للإحداث الراهنة والتالية، ولما حل بعد الاستسلام لاتفاقيات الأعداء، وهو ما ركز عليه في الإنارة المسطحة لمقدمة المسرح، بينما استخدم إضاءة السبوت والبقع الضوئية للجزء الأول في عمق المسرح، واحتوي المسرح بحركة الممثل بتوازن عام للوحة، التي هي أصلا كانت متوازنة بوجود البئر والجديلة من الجهة اليمني للمسرح، والعازف علي الجهة أليسري، فكان تحرك الممثل يبقي العرض متوازنا في تشكيله، ولاشك أنه علي الرغم من استعانته بالسينوغرافيا، لتجسيد صورة المعركة بلقطات حية، إلا انه لم يتكأ عليها ليحلها مكان الأداء المسرحي، واستطاع إن يسيطر علي عدم اتساع فكرة الاتكاء على السينوغرافيا كبديل عن الأداء المسرحي ومنح الأداء علي المسرح الأهمية، وهي الفكرة التي دأب محمد خير علي أدائها في أعماله السابقة، إن تجربة الفنان محمد خير الإخراجية في هذا العمل، قدمت بعدا متناميا في قدراته التي سبق أن وضبها لبناء المسرح النقدي، والذي يشكل التعاطف بين الجمهور والممثلين الركن الأساس، وجعل الوعي مهمة في أداء المسرح لجر المتفرج إلى التأمل والتفكير، وان يكون الجمهور جزء من متطلبات العمل المسرحي، حتى تكتمل السلسة بين الإنتاج والتلقي، التي تهمل في إنتاج الإعمال الحداثوية، وفي مسرحية الرسالة التي يرمز العنوان إلى جانبين متلازمين يفسران بعضهما، الأولي: رسالة بأهمية تواصل الأجيال مع بعضها البعض، والثانية: للمجتمع والواقع الذي نعيشه، أن ما بني علي خطأ فهو باطل، قدم الرفاعي عملا يشكل رقما في الإبداع المسرحي العربي والأردني.





مسرحية الكلمات المتقاطعة ..



الكلمات المتقاطعة.. تخلق المعنى وتخفي الحقيقة

                                .         – مؤيد داود البصام

             عرضت مسرحية ( كلمات متقاطعة ) تاليف واخراج د. محمد خير الرفاعي، على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي ضمن عروض مهرجان المسرح الاردني السادس عشر، وقد سبق ان قدمت المسرحية محليا في اكثر من مسرح، ولاقت الاستحسان عندما عرضت خارج الاردن في ايطاليا، ولاسم المسرحية اغراء، فقد ظهرت اكثر من قصة ومسرحية بهذا الاسم، اشهرها المسرحية التي كتبها الراحل نجيب سرور وهو احد اعلام الشعر والتاليف المسرحي المصري، ما بعد منتصف القرن الماضي ، ومن مؤسسي حركة المسرح المصرية والعربية الحديثة مع الفريد فرج وميخائيل رومان ويوسف ادريس ومحمود ذياب وآخرين.
                وقد انحاز نجيب سرور في تجربته المسرحبة الى المسرح الشعبي، الذي يحمل في طياته نقدا اجتماعيا وسياسيا للواقع، وتعتبر هذه المسرحية اول خروج على فكر نجيب واخر عمل قدمه في حياته، لايربطها التسلسل والحتمية ، وقابلة الى التغيير حسب متطلبات العرض او تطور الفكرة، اذ لايؤثر عليها التقديم والتاخير، او الحذف ولايشكل اي خلل، لانها في الاصل تتكون من مجموعة من المشاهد المنفصلة، ولكنها كلها تدور حول واقع المجتمع المصري ما بعد حرب حزيران عام 1967 . وفي نفس الاسم   قدم المسرح السعودي للمؤلف محمد رجب من اخراج احمد مجدي ، مسرحية بهذا العنوان ولكن تختلف المفاهيم النصية والمعالجة المسرحية، ولكن مسرحية الرفاعي تقترب في مفاهيمها من مسرحية نجيب سرور، وتبتعد تقنية، فقد استخدم لغة الجسد للتعبير قي نقل الصورة البصرية، ليحولها في ذهن المشاهد الى لغة بصرية، وان اتفقت مجمل الاعمال التي ظهرت بهذا الاسم، ومن ضمنها قصص قصيرة، على نقد الواقع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، كل حسب طريقته الخاصة، او حسب الواقع المستجد.
             البعد الفكري للنص
         حاول المؤلف ان يقدم نصا لادانة الانهيار الاخلاقي في المنظومة القيمية في المجتمع الشرقي من خلال المؤثرات الخارجية، ابتداء من الاعلام، والقهر الاجتماعي، والصراع اللاارادي بين قوى غير متكافئة، فاعطى مستويات لهذا الصراع، حاول ان يناقشه عبر محطات منفردة، كل واحدة تختص بنفسها ويلتقون في الرؤية الموحدة بالرفض، لاجل ايجاد حل لسقوط المنظومة الاخلاقية، او ادانة من كان وراء سقوطها، فابرز مستويات متعددة للصراع، صراع بين الانسان والانسان، ان كان مقهورا او على وشك القهر، وصراع الانسان المقهور مع ظالميه.، اي انه اراد ان يبرز حيرة الانسان فيما يحدث بما انتهى له، لماذا هذا الاقتتال؟ .                  
                         وكما هو معروف فان المسرح فعل متغير، وقد نجح المؤلف في ايضاح هذه النقطة واوصلها للمشاهد في نهاية العرض، عندما طرح لنا السؤال لماذا الصراع والاقتتال؟، ليترك المشاهد في دهشة الحدث يسال نفسه، وبهذا الاستفزاز اراد ان يجعله يفكر ويتامل، وجرنا هذا الى السؤال الذي اطلقه( الناقد تيسير نظمي ) اثناء مناقشة المسرحية في الجلسات التي اعقبت العرض،"هل العرض يقع تحت بند العرض المقاوم" اذا كانت الاجابة قد تحددت، بنعم فلذلك اسبابه، ان المسرحية انطلقت في مفاهيمها من الماضي والحاضر لتؤسس رفضها، عبر الشكل والمضمون، واستطاع المؤلف ان يوصل لنا الفكرة المدمرة التي نعيشها وهناك اكثرية غافلة عنها، وحاول عبر الاستفزاز الذي استغله الاخراج، ليجعل لغة الجسد المعبر بدل الحوار واوضح رؤيته في رفض كل اشكال الظلم الواقع على الانسان، وتاكيده على الحب والسلام، بين الانسان واخيه الانسان وبين الشعوب، وهو ما يحيل البعد الرؤي الذي استند عليه الكاتب، لانتاج نص متماسك، تتحرك فكرته بمرونة وتلقائية، واسبابها ليس الحرفية، وانما الايمان بما يفكر، وفلسفة حياة في رفض الظلم والقهر .

.الممثلون والمعالجة الاخراجية
            اهتم المخرج بايقاع العرض، وايجاد وحدة تناغم بين النص والعرض،وكون النص من تاليف المخرج، فان الحالة الانفعالية في فهم ما يريد ان يقوله متوفرة، لهذا اهتم ان يضع اللمسات الاولى في المقدمة السينوغرافية، التي وضع فيها قدراته التقنية والفكرية، مفتتحا العرض بمقدمة جمالية وسمعية، توضح الابعاد الفكرية للنص والبعد الاخراجي في التعامل معه، عندما انهى عرضه السينوغرافي، بسقوط تمثال الحرية على جنبه,  وهو ما يجعلنا  نقول ، ان مجموع التحولات التي قدمها داخل فضاء العرض، اوضحت لنا دلالة الاعمال التي سبق للرفاعي ان قدمها، وحملت الابعاد الفكرية والامكانية لعقل اخراجي مبتكر، فالمسرح عبارة عن مجموع الحركات المتداخلة الاجزاء، والصراع المتواصل، هو الذي يبرز لنا المضمون الفكري والفلسفي ، ولهذا فان للايقاعين الصوتي والحركي اهمية في نظر اي مخرج مبدع. لاستمرار تواصل الجمهور في الشد، وبما ان العرض استعاض عن الحوار المنطوق بحوار الجسد، صار لزاما على المخرج، ان يهتم بحركة الممثل وعناصر العرض الاخرى كالسينوغرافيا والديكور والملابس والاكسسوارات والموسيقى، ليعطي هذا التناغم الذي يعوض عن الحوار المحكي ، ولتؤدي بمجموعها الاسس والبواعث الجمالية،  وتحرك موقع النص والافكار نحو القيم الجمالية، وهو ما قدمه لنا الرفاعي في الاداء المتناغم بين مجموع العناصر التي الفت العرض المسرحي، ولابد من الاشارة ان الجهد الرائع الذي قدمه الممثلون في الاداء، ان كان في المرونة الجسدية اوفي التعبير عن الحالات الشعورية، تنم عن الجهد الذي بذل من خلال التمارين المتواصلة  للوصول الى مثل هذا الاداء، خصوصا اذا عرفنا ان الممثلين هم طلبة وليسوا ممثلين محترفين، او على تجربة واسعة، وقد استطاعوا ان يوصلوا لنا عبر السيطرة على الجسد  بالتناغم  مع الموسيقى، اللغة التي افتقدناها في الحوار المحكي بين الاطراف المتصارعة، ومما كان واضح للعيان التفريق بين الرقص العادي والرقص الايقاعي الذي يشكل احدى  سمات الموسيقى في العرض المسرحي، فالموسيقى لاتفسر وانما تتوحد مع التعبير الجسدي لتصبح كلا واحدا، كما نشاهده في رقصات (الطرق الصوفية ) ، فقد استطاع المخرج ان يقود المجاميع، بلوحات تعبيرية، واداء رائع محافظا على التوازن العام في فضاء العرض، ولم نشاهد انكسار للشكل العام بين الكتلة والفراغ، مع السيطرة على الحركة وتوازنانها، ولكننا وقفنا امام استعراض الممثل الذي يقود احد جناحي الصراع، في اظهار بطنه وتحريكها  اثناء الرقص، وهي مسالة طبيعية عندما تكون متلائمة مع النص، فقد شاهدنا عروضا يظهر لنا بها الممثل عاري الا مما يستر عورته، ولم يكن هناك اعتراض لان فكرة النص تتماشى وروح العرض، ولكن في هذه الحالة كانت مخدشة،  لان العرض يناقش قضية اخلاقية .، وفيما عدى هذه النقطة، فقد سيطر المخرج على فضاء العرض بقدرة، ومثل لنا عبر الادوات التي استخدمها، وبالذات الممثلين حالة التوهان والتشوش، والدهشة، ونجح بان يقدم لنا فكرة ان تحرير الجسد من عقده يحرر العقل من توقفاته، ونجح في اظهار الابعاد الفكرية، بالانسجام الايقاعي بين الممثلين والموسيقى والسينوغراف وبقية العناصر، وقدم لنا عرضا جاء مفسرا  لكلمته في دليل العرض :
      حاصل جمع الحروف.........كلمة
      الكلمة تخلق معنى...........
     والمعنى في بطن الشاعر
     اذن ما هي الحقيقة
     انا لااخشى الحقيقة..وانا كذلك لاابحث عنها
     فهي هنا وهناك واضحة لاتحتاج الى بحث....
     ولكننا نجدها حيث نريد....
     ونتعامى عنها حين نريد                                                       



 الكلمات المتقاطعة.. تخلق المعنى وتخفي الحقيقة

                                .              – مؤيد داود البصام

             عرضت مسرحية ( كلمات متقاطعة ) تاليف واخراج د. محمد خير الرفاعي، على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي ضمن عروض مهرجان المسرح الاردني السادس عشر، وقد سبق ان قدمت المسرحية محليا في اكثر من مسرح، ولاقت الاستحسان عندما عرضت خارج الاردن في ايطاليا، ولاسم المسرحية اغراء، فقد ظهرت اكثر من قصة ومسرحية بهذا الاسم، اشهرها المسرحية التي كتبها الراحل نجيب سرور وهو احد اعلام الشعر والتاليف المسرحي المصري، ما بعد منتصف القرن الماضي ، ومن مؤسسي حركة المسرح المصرية والعربية الحديثة مع الفريد فرج وميخائيل رومان ويوسف ادريس ومحمود ذياب وآخرين.
                وقد انحاز نجيب سرور في تجربته المسرحبة الى المسرح الشعبي، الذي يحمل في طياته نقدا اجتماعيا وسياسيا للواقع، وتعتبر هذه المسرحية اول خروج على فكر نجيب واخر عمل قدمه في حياته، لايربطها التسلسل والحتمية ، وقابلة الى التغيير حسب متطلبات العرض او تطور الفكرة، اذ لايؤثر عليها التقديم والتاخير، او الحذف ولايشكل اي خلل، لانها في الاصل تتكون من مجموعة من المشاهد المنفصلة، ولكنها كلها تدور حول واقع المجتمع المصري ما بعد حرب حزيران عام 1967 . وفي نفس الاسم   قدم المسرح السعودي للمؤلف محمد رجب من اخراج احمد مجدي ، مسرحية بهذا العنوان ولكن تختلف المفاهيم النصية والمعالجة المسرحية، ولكن مسرحية الرفاعي تقترب في مفاهيمها من مسرحية نجيب سرور، وتبتعد تقنية، فقد استخدم لغة الجسد للتعبير قي نقل الصورة البصرية، ليحولها في ذهن المشاهد الى لغة بصرية، وان اتفقت مجمل الاعمال التي ظهرت بهذا الاسم، ومن ضمنها قصص قصيرة، على نقد الواقع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، كل حسب طريقته الخاصة، او حسب الواقع المستجد.
             البعد الفكري للنص
         حاول المؤلف ان يقدم نصا لادانة الانهيار الاخلاقي في المنظومة القيمية في المجتمع الشرقي من خلال المؤثرات الخارجية، ابتداء من الاعلام، والقهر الاجتماعي، والصراع اللاارادي بين قوى غير متكافئة، فاعطى مستويات لهذا الصراع، حاول ان يناقشه عبر محطات منفردة، كل واحدة تختص بنفسها ويلتقون في الرؤية الموحدة بالرفض، لاجل ايجاد حل لسقوط المنظومة الاخلاقية، او ادانة من كان وراء سقوطها، فابرز مستويات متعددة للصراع، صراع بين الانسان والانسان، ان كان مقهورا او على وشك القهر، وصراع الانسان المقهور مع ظالميه.، اي انه اراد ان يبرز حيرة الانسان فيما يحدث بما انتهى له، لماذا هذا الاقتتال؟ .                  
                         وكما هو معروف فان المسرح فعل متغير، وقد نجح المؤلف في ايضاح هذه النقطة واوصلها للمشاهد في نهاية العرض، عندما طرح لنا السؤال لماذا الصراع والاقتتال؟، ليترك المشاهد في دهشة الحدث يسال نفسه، وبهذا الاستفزاز اراد ان يجعله يفكر ويتامل، وجرنا هذا الى السؤال الذي اطلقه( الناقد تيسير نظمي ) اثناء مناقشة المسرحية في الجلسات التي اعقبت العرض،"هل العرض يقع تحت بند العرض المقاوم" اذا كانت الاجابة قد تحددت، بنعم فلذلك اسبابه، ان المسرحية انطلقت في مفاهيمها من الماضي والحاضر لتؤسس رفضها، عبر الشكل والمضمون، واستطاع المؤلف ان يوصل لنا الفكرة المدمرة التي نعيشها وهناك اكثرية غافلة عنها، وحاول عبر الاستفزاز الذي استغله الاخراج، ليجعل لغة الجسد المعبر بدل الحوار واوضح رؤيته في رفض كل اشكال الظلم الواقع على الانسان، وتاكيده على الحب والسلام، بين الانسان واخيه الانسان وبين الشعوب، وهو ما يحيل البعد الرؤي الذي استند عليه الكاتب، لانتاج نص متماسك، تتحرك فكرته بمرونة وتلقائية، واسبابها ليس الحرفية، وانما الايمان بما يفكر، وفلسفة حياة في رفض الظلم والقهر .

.الممثلون والمعالجة الاخراجية
            اهتم المخرج بايقاع العرض، وايجاد وحدة تناغم بين النص والعرض،وكون النص من تاليف المخرج، فان الحالة الانفعالية في فهم ما يريد ان يقوله متوفرة، لهذا اهتم ان يضع اللمسات الاولى في المقدمة السينوغرافية، التي وضع فيها قدراته التقنية والفكرية، مفتتحا العرض بمقدمة جمالية وسمعية، توضح الابعاد الفكرية للنص والبعد الاخراجي في التعامل معه، عندما انهى عرضه السينوغرافي، بسقوط تمثال الحرية على جنبه,  وهو ما يجعلنا  نقول ، ان مجموع التحولات التي قدمها داخل فضاء العرض، اوضحت لنا دلالة الاعمال التي سبق للرفاعي ان قدمها، وحملت الابعاد الفكرية والامكانية لعقل اخراجي مبتكر، فالمسرح عبارة عن مجموع الحركات المتداخلة الاجزاء، والصراع المتواصل، هو الذي يبرز لنا المضمون الفكري والفلسفي ، ولهذا فان للايقاعين الصوتي والحركي اهمية في نظر اي مخرج مبدع. لاستمرار تواصل الجمهور في الشد، وبما ان العرض استعاض عن الحوار المنطوق بحوار الجسد، صار لزاما على المخرج، ان يهتم بحركة الممثل وعناصر العرض الاخرى كالسينوغرافيا والديكور والملابس والاكسسوارات والموسيقى، ليعطي هذا التناغم الذي يعوض عن الحوار المحكي ، ولتؤدي بمجموعها الاسس والبواعث الجمالية،  وتحرك موقع النص والافكار نحو القيم الجمالية، وهو ما قدمه لنا الرفاعي في الاداء المتناغم بين مجموع العناصر التي الفت العرض المسرحي، ولابد من الاشارة ان الجهد الرائع الذي قدمه الممثلون في الاداء، ان كان في المرونة الجسدية اوفي التعبير عن الحالات الشعورية، تنم عن الجهد الذي بذل من خلال التمارين المتواصلة  للوصول الى مثل هذا الاداء، خصوصا اذا عرفنا ان الممثلين هم طلبة وليسوا ممثلين محترفين، او على تجربة واسعة، وقد استطاعوا ان يوصلوا لنا عبر السيطرة على الجسد  بالتناغم  مع الموسيقى، اللغة التي افتقدناها في الحوار المحكي بين الاطراف المتصارعة، ومما كان واضح للعيان التفريق بين الرقص العادي والرقص الايقاعي الذي يشكل احدى  سمات الموسيقى في العرض المسرحي، فالموسيقى لاتفسر وانما تتوحد مع التعبير الجسدي لتصبح كلا واحدا، كما نشاهده في رقصات (الطرق الصوفية ) ، فقد استطاع المخرج ان يقود المجاميع، بلوحات تعبيرية، واداء رائع محافظا على التوازن العام في فضاء العرض، ولم نشاهد انكسار للشكل العام بين الكتلة والفراغ، مع السيطرة على الحركة وتوازنانها، ولكننا وقفنا امام استعراض الممثل الذي يقود احد جناحي الصراع، في اظهار بطنه وتحريكها  اثناء الرقص، وهي مسالة طبيعية عندما تكون متلائمة مع النص، فقد شاهدنا عروضا يظهر لنا بها الممثل عاري الا مما يستر عورته، ولم يكن هناك اعتراض لان فكرة النص تتماشى وروح العرض، ولكن في هذه الحالة كانت مخدشة،  لان العرض يناقش قضية اخلاقية .، وفيما عدى هذه النقطة، فقد سيطر المخرج على فضاء العرض بقدرة، ومثل لنا عبر الادوات التي استخدمها، وبالذات الممثلين حالة التوهان والتشوش، والدهشة، ونجح بان يقدم لنا فكرة ان تحرير الجسد من عقده يحرر العقل من توقفاته، ونجح في اظهار الابعاد الفكرية، بالانسجام الايقاعي بين الممثلين والموسيقى والسينوغراف وبقية العناصر، وقدم لنا عرضا جاء مفسرا  لكلمته في دليل العرض :
      حاصل جمع الحروف.........كلمة
      الكلمة تخلق معنى...........
     والمعنى في بطن الشاعر
     اذن ما هي الحقيقة
     انا لااخشى الحقيقة..وانا كذلك لاابحث عنها
     فهي هنا وهناك واضحة لاتحتاج الى بحث....
     ولكننا نجدها حيث نريد....
     ونتعامى عنها حين نريد





                                                                                                     Muyaed_albassam@yahoo.com  
.





                                                                                                    




مسرحية (الحياة . on line) تستخدم كل الأدوات لإيصال المعلومة .

مسرحية (الحياة . on line) تستخدم كل الأدوات لإيصال المعلومة .

-         مؤيد داود البصام
-          
               قدم د. محمد خيري الرفاعي مسرحية (الحياة . on line) على المسرح الدائري للمركز الثقافي الملكي  في عمان , وهي من المسرحيات المرتجلة وبدون نص مكتوب , وكما جاء في المنهاج الذي وزع معها (تلقي الضوء على تلك المعاناة من خلال صور ومشاهد وكلمات وفنون تحفز الانسان لمواساة اخيه الإنسان والعمل على تخليص الإنسانية من الظلم والمعاناة , ومثل هذه الاعمال التي ليس لها مؤلف لها جذورها التاريخية , وقد سميت (الكوميديا الشعبية) او (كوميديا الارتجال) او(الكوميديا الايطالية) وظهر هذا الاسلوب في ايطاليا عام 1550م ليناقش الحياه الاجتماعية والحياتية كخلفية لمسرح (التمثيلية الايتلانية) الذي سبقها في الظهور في الحقبة الرومانية أي ما بين القرنين الثالث الى الاول قبل الميلاد والذي كان مسرحا للنقد السياسي , مما حفز الانظمة على محاربته ومطاردة الممثلين طوال العصور المظلمة , وتفرقوا حتى ظهورهم ليقدموا هذا الفن وسمي (الكوميديا دي لارتي) التي كانت تركز على النقد الاجتماعي والحياتي باسلوب الكوميدي والسخرية , ومن ميزات هذا المسرح اعتمادة على الابتكار , يضع هيكل العمل المخرج او السينارست , والباقي من ابتكار الممثلين بارتجال حواراتهم الكوميدية وتشمل الغناء والرقص والاكروباتيك , واستخدموا الاقنعة التي لا تغطي كامل الوجه على غرار المسرح الاغريقي الذي كانت الاقنعة تغطي كامل الوجه (وسنجد ان المخرج الرفاعي يزاوج بين الاسلوبين باستخدام القناع الكامل).
       
                   مسرحية (الحياه) تأخد بمبدأ(الكوميديا دي لارتي) التي تستخدم السخرية والضحك في النقد الاجتماعي والحياتي واوضاعهما , وعلى الرغم من ظهور الكثير من هذه الاعمال وبالذات على المسرح الكوميدي المصري , الا انها اعمال لم تتخلى عن النص , انما يحدث ان يخرج بعض الممثلين عن النص وبالذات تتركز هذه الحالة في اعمال  الممثل عادل الامام , الذي كثيرا ما يخرج عن النص ويحرج الممثلين الذي امامه , الا ان دربتهم العالية وتجربتهم في الاداء المسرحي تنقذهم من الاحراج , ولكن قلما ان يكون العمل بدون نص فهذه اعمال نادرة وقليلة على المسرح العربي والاردني .
                         فالمسرحية تجريبية في التأليف والاخراج , تعتمد على قدرة وامكانية الممثلين في ابتكار الحوار والحركة وكما قدمها المخرج في كلمته (هذه مسرحية لك انت ممثلها ومخرجها ومشاهدها على مسرح افكارك) وهو ما يتيح المجال للتغيير في الاداء والحوار في كل عرض تقدم به . اذ يترك المخرج حرية الاداء للمثل في الحركة والحوار .
                        تبدأ المسرحية بوجود كرسي مزدوج المسند , وضعت عليه قبعتين سوداويتين مزدانتين بالزهور , والجدار المواجه للجمهور في عمق المسرح شاشة للعرض مع قطعتي قماش مستطيلتين على الجانبين ,واذا يظهر الممثل (حمد نجم) امام الجمهور في الفسحة الفاصلة بين الجمهور والمسرح , وبوضعه لنظارة سوداء على عينيه ليوحي بعماه , ويتحدث الى الجمهور مباشرة ويوجه اسئلة عامة , حتى يصل الى شريكه في التمثيل (عاصم العمري) الذي يمثل دور الاخرس الذي يجلس وسط الجمهور ويدعوه للعب معه على خشبة المسرح , لحظتها تبدأ المسرحية في تقديم (الصور والمشاهد والتلاعب بالكلمات) لنقد الواقع الاجتماعي والحياتي , وكل مشهد مقطوع عن المشهد الذي يسبقه ولكن يشدهم الخيط العام الذي ترتكز عليه المسرحية في النقد الاجتماعي للواقع بالاسلوب الساخر , ومناقشة هموم الانسان المعاصر في واقعه , غلاء المعيشة ’ الظلم الذي يتعرض له , وقضايا متعددة .
الممثلون
                        قدم الثنائي (حمد نجم وعاصم العمري) اللذان قاما بدوري الاعمى والاخرس , دوريهما باتقان وبراعة , واجاد في بناء الشخصين على الرغم من وهميتهما , وقدم الممثل حمد نجم دور الأعمى بروح الانسجام ودون ان تكون السخرية والنقد افتعالية ومبالغ فيها , ولم يكثر من الحركات والايماءات , انما كان يتمتع بطبيعة تبرهن على اتقان ودربة في ابراز الشخصية تتعاطى الحركة والحوار المباشر مع الجمهور بدون تشنج وأدار الاداء مع الممثل (عاصم العمري) الذي لم يقل عن رديفه امكانية في الانسجام مع الدور واعطاء الحركة ابعادها , التي جعلت الجمهور ينسجم معهما , وأخضع ساحة العرض التي بين الجمهور  والمسرح او على خشبة المسرح لسيطرتهما ,فلم يحدثا فراغا في توازن اللوحات التي قدمها , وكان مرونة جسديهما دور في التعبير التلقائي مع الحوار الذي اجرياه دون الخروج عن حدود الاداب والياقة وبعيدا عن الصراخ والتهريج والمباشرة , كما يحدث في بعض المسرحيات التي تتوجه للجمهور الشعبي التي يخرج فيها الممثل عن النص , وتخرج  كلمات جارحة وخارج سياق اللياقة والاداب لمجرد اضحاك الجمهور , ولم تبتعد الممثلة (سارة حرز الله) بدور المذيعة عن هذا البناء عبر الشاشة , فقد قدمت حالة لم تشعر الجمهور بانفصال بين التمثيل الحي والسينوغرافيا الذي قدمت وصلتها من خلاله , وهو ما لا حظناه مع جوقة الاقنعة التي قدمها الممثلون (ابراهيم القاضي وصلا حداد ومراد ابو السرايا وفلما مربد والاد الرواش ورويده صباحين) . والحركات والرقصات لتساند الخيط الرابط بين الصور والمشاهد التي يقدمها الممثلان .
الاخراج
                     استفاد د. محمد خير الرفاعي مخرج العمل مما يملكه من تجربة في السينوغرافيا في توظيفها بصور لا تجعلها جزء منفصل عن البناء الكلي للعمل كما يحدث في أستخدام السينوغرافيا كحاله أنفصالية وأدخالها عبرة شاشة السينما كوحدة منفصلة.    وجاء تمثيل الممثلة (سارة حرز الله) المذيعة ليشكل انسجاما سلسا , وكان من الممكن ان يحدث خللا لو ظهرت الممثلة لتجسد دورها على الخشبة , ولكن استخدام السينوغرافيا منح العرض المتعة والاستفادة من التقنيات , وكذالك حركت الجوقة التي ساندت العمل , وبنت لوحات تشكيلية , منح العرض توازنا تشكيليا, من خلال الرقصات والايماءات المدروسة . ولعل اختيار مسارح مثل المسرح الدائري , يعطي او يمنح روحية المسرح الشعبي او يمنح الجمهور هذا التلاحم , كما كان يتخده ممثلوا (التمثيلية الايتلانية) لاشراك الجمهور في العمل , او (كوميديا دي لارتي) وهو ما استفاد منه برشت في مسرح (التغريب) الذي حول بنائية (كوميديا دي لارتي) الى دراما البحث في غربة الانسان .
                     قدم المخرج د.محمد خيري الرفاعي عملا ناجحا مع بقية الممثلين والعاملين , وأضاف لمسات استفاد فيها من اكثر من مذهب مسرحي لادماجها في عمل واحد على الرغم من تأكيد على مسرح (كوميديا دي لارتي) الا انه ادخل القناع الروماني الذي يغطي الوجه كاملا والاستفادة من السينوغرافيا  لأحداث التواصل , ولا شك ان ما ظهر به العمل من انسجام بين كل الاطراف , يوضح مدى ما حققه المخرج في إيصال الفكرة وهضمها بايجابية لتوصيلها الى المشاهدين , وجعل المعاناة واحدة في عمل المشترك بين الممثلين والجمهور. وهو مايمكن ان يؤدي الى ايصال مايطمح المسرح أن يوصله الى جمهور المتلقين .


السبت، 5 سبتمبر 2015

نساء وسماء الأغا والانتشاء اللوني.

جريدة الزمان في 8/ 10/2013










نساء وسماء الأغا. والانتشاء اللوني
                                                              -  مؤيد داود البصام

          اللوحة تعلن عن نفسها من خلال عناصرها المتكاتفة، مبلورة قيمتها الجمالية بمجموع العناصر التي تمثل إمكانيتها على إثارة الانتباه ما بين مكوناتها على سطح اللوحة والرؤية البصرية للمتلقي، وتكشف عن زهوها فيما تمنحه للمتلقي من أبعاد جمالية أو تأملية، وهنا يكمن الإظهار المدهش للوحة الذي تشكله مجموع القيم الجمالية المتآلفة من الخط واللون والتكوين والنص، وهو الذي يشير بصورة وأخرى إلى قدرة الفنان على إعطاء كل عنصر حقه من بداية الخط الى لحظة التكوين العام، من أجل الوصول لإبهار الرؤية البصرية، أو ما تحمله اللوحة من رؤى تتوافق مع العناصر المكملة للمسة الإبهار، حتى في الموضوعات التي تتعايش معنا، وليس فقط في إمكانية الكشف عن إظهار المظمور من خفايا الجمال في كل مكونات الطبيعة الجامدة أو المتحركة، وأعمال الفنانة وسماء الأغا، فيها هذا العنصر، تقدم للمتلقي عند الوقوف أمام لوحتها هذا الانبهار في الرؤية البصرية منذ الوهلة الأولى، هناك غنى لوني ورؤية للالتفاف على موضوعات واقعية أو موضوعة شعبية ما زالت حاضرة كواقع في المخزون اليومي للمتلقي، ولكنها تعمل على تحوير الواقع، وتغيير الأبعاد الواقعية، لإزاحتها من واقعها العيان المرئي للجميع ضمن خصوصيته، إلى الرؤية البصرية التي تكشف المضمر، المخفي الذي يتستر وراء مصدات الواقع، واقع المرأة كما يراد رؤيتها الذي يفرضه عالم واقعها وبيئتها، ويحجب ما لا يراد أن يكشف لنا عن حياتها من غير المرئي،  إنها تحول الرؤية من موقع الرؤية الخاصة،  إلى موقع الرؤية العامة ضمن خصائص الإبداع الجمالي، وهو ما يجعل التشخيص في لوحاتها للعنصر النسائي، يحمل منعطفات فكرية ورؤية بصرية مبهرة، لوحاتها تحمل في طياتها فرادة المرأة التي ترسمها، وما تتمتع به من نشوة وإمتاع، أجساد مترعة بضة ولدنة، وجوه منتشية بالحياة، يطفح منها البشر والترف، خدود موردة، أشكال تستقبل الحياة بحلم وخيال، تظهر هذه الوقائع من خلال الالوان الحارة والمفرحة التي اشتغلت عليها الفنانة وسماء الأغا، محاولة أن تستخدم طاقة الالوان التعبيرية لإظهار حالة الترف والبذخ في حياة المرأة التي تراها في عينها قبل أن تقدمها لنا، فنسائها إما في أفراح وأعراس أو في حلم في الفراش، إن كان الرجل مرافق أو لم يكن، وعلى الأغلب العنصر ألذكوري مكمل وليس الأساس، أو مكمل بشكل وآخر للموضوع، فالمرأة هي التي تأخذ مساحة الحلمية والنشوة في اللوحة.
فوارق هيئة النساء...
          الفنانة وسماء الأغا تزاوج في عملها بين عدة وقائع لحياة المرأة العراقية، تظهر المرأة البغدادية بكل عنفوان ترفها وبذخها و جمال شكلها، وبين المرأة من المجتمعات العراقية الشعبية في السواد الذي يلفها، وبين المرأة الغجرية ( أو ما يسمى في العراق بالكاولية )، التي تزركش ملابسها، ولهذا تختلط الرؤى في لوحاتها بين المرأة البغدادية والمرأة في المناطق الشعبية، وهذا الفرق يعطي أبعاده في تصوير الحياة الشعبية بكل أشكال العلاقات التي تترابط فيها الحياة الأنثوية وحياة المرأة الخاصة في مجتمعها الأنثوي، في الأفراح أو في حمامات النساء أو في غرفة النوم، فهي تنقل خصوصية مجتمعات الأنثى، وما تراه عين الفنانة وسماء التي تعايشت مع هذه الرؤية البصرية ونقلتها ضمن مفهومها ورؤيتها الخاصة، أو نقلتها عبر ما سمعته وعرفته، وليس هناك مجالا لرؤية المرأة في نظرها منتكسة، أو ضامرة أو عجفاء، فهي اعتادت أن ترى ارستقراطية المرأة العراقية والنخبة من النساء، حتى وهن في مواضع الرؤية الخاصة مثل وجودهن في الحمام، أو في غرفة النوم مضطجعة في الانتظار، إنها تنقل واقعا تعايشت معه أو سمعته ونبت في خيالها وفي اللاوعي العام، وهو ما يمكن أن نطلق عليه المضمر أو الخيال العام لمجتمع الأنوثة المحجوب عن رؤية الرجل لمجتمع المرأة، والمجتمعات المنغلقة الخاصة بها، وهي وإن تملكتها هذه الرؤية الجميلة للمرأة، وصورة وجه المرأة البغدادية والمرأة في الريف والمرأة الغجرية، وتصوير وجهها بشكل البدر المكتمل التدوير، إلا أنها أعطت خصوصية لوجه المرأة البغدادية، أعطتها سمات الكبرياء والارستقراطية، وان قامت بالكشف عن هذا الانحياز بالشكل العام للتشخيص إلا أنها جعلت الفرق في النظرة والملابس،  وعلى الرغم من نقلها هذه الفرحة والنشوة التي تمتلك وجوه وأجساد نسائها، إلا أنها من ناحية أخرى تبرز الدوامة التي تعيشها المرأة، فهي تغوص في أعماق شخوصها من خلال إيجاد بعد رياضي في حركة اللوحة للكشف عن أعماق المرأة وليس بإظهار الانطباع على وجهها في رفض الواقع أو التعايش معه على مضض، أو لحظات الحزن التي تلف وجوه نسائها، فإذا أخذنا معظم أعمالها فان المرأة تقع ضمن الدائرة التي أوجدتها لإظهار باطن العلاقة بين المرأة والواقع وتفسيرا لطابع الحزن الذي يكتنفها، ولهذا لا نجد في أعمالها على قلتها التي يشكل العنصر ألذكوري الأساس دائرة يلتف حولها، فلا وجود له داخل الدائرة المفترضة التي أحاطت بها أعمالها والتي تشكل المرأة العنصر الأساس، إنما نجد استقامة في الكتلة التي يتواجد فيها الرجل،( لوحة العودة ، معركة عين جالوت ... )، على الرغم من أنها وضعت الدائرة باللون الأصفر نصف خلفية للوحة معركة عين جالوت، إلا إن اللوحة بشكلها العام تنح نحو الكتلة المستقيمة، وهكذا سنجد هذه العلاقة تأخذ مسارا ً متواصلا ً في أعمالها جميعا وان شذت بعضها، وكذلك سنجد عنصران يتحكمان في مشخصاتها، المرأة البغدادية والمرأة من المناطق الشعبية، في المدن العراقية وبالذات الجنوبية، وتفرق في الوجه  ومزركشة ألوان الملابس والشال الذي يغطي الرأس والتي تسمى، ( الفوطة ) والعباءة السوداء، وهو تضاد حاد في العلاقة بين الطرفين، يكشف الشكل الحضاري للطبقات الاجتماعية في العراق، وهو نفس السبب الذي يجعلها تهتم بالرقص الغجري والغجريات أو ما يسمى في العراقي كما ذكرنا سابقا ً ( الكاولية )، مجسدة حالتها في لحظة الاحتدام والحركة ومعاناتها الإنسانية حتى وهي في اشد حالات الانتشاء التي يحسها الإنسان في الرقص، وهي تنقلنا لما يمثله هذا التفاوت في حياة المرأة خارج نطاق العلاقة الاجتماعية العامة، هذه الحياة المغلقة على إسرارها، خارجها لا يشي بما في داخلها من معاناة، لهذا جاءت معظم لوحاتها التي تخص العنصر النسوي، مشخصاتها يتواجدن ضمن الدائرة، الدوامة التي تدور بدون أن تصل إلى نقطة وليس لها مركز، حياة مفرغة، وما نجده في تركيزها على العيون الجميلة والمتسعة لمشخصاتها، في تلك النظرة الحالمة والتطلع إلى فراغ، منتشية بما هي عليه ولكنها في تيه وضياع. إن الحوار الذي تقيمه الفنانة وسماء الأغا بينها وبين اللوحة يظهر لنا من خلال فلسفة العلاقة بين المرأة ووضعها في داخل الدائرة، الدائرة التي تلاحقها في الأفراح وفي وجودها في الحمام ، وعند الرقص وحتى في الفراش، إنها الحياة السرية للمرأة التي لا يراها إلا من يشترك فيها، تحمل العفوية، والنظرة الثاقبة لحياة المرأة إن كانت في خلوتها أو في واقعها الاجتماعي. إنها تظهر لنا عالم يجهله الرجال ويحلمون في رؤيته أو الدخول إليه، كما تنقله عن عالم المرأة وهي تقف على السطوح أو في زوايا النوافذ للفرجة والمشاهدة على الحياة الذكورية، أعمالها تمثل المحرك الذي يداعب الخيال ويشحذ المخيل، للخروج به من دائرة الجمود الى وهج الحلم والفنتازيات، وترفها في استخدام  الالوان هو تماهى ما بين الفكرة والشكل، لإظهار هذا الوهج الذي تحمله لنا الالوان الحارة وهي تختلط بالحركة التي تتسم بها جملة أعمالها، أن واقعيتها المحرفة لأجاد بعدا جماليا يخرجنا من الفونوغراف إلى العمل الفني الجمالي للتشكيل الحديث.     







شكيب كاظم سعودي.. في كتاب المرء يلقى عصا ترحاله..



 جريدة الزمان في يوم السبت الموافق 27/11/2014

شكيب كاظم سعودي ..في كتاب والمرء يلقي عصا ترحاله
-        مؤيد داود البصام
حظي الوسط الثقافي العراقي ما بعد تكوين الدولة العراقية في بداية القرن العشرين، وظهور الجرائد والمجلات، وتعددها، بمجموعة من المثقفين والاكاديمين والأدباء، ما أطلق عليهم بالموسوعيين، فأولئك لم يكن عطائهم أحادي أنما تجد الكثيرين منهم، شاعرا ً وقاصا ً وناقدا ً...الخ، ويخوض في أكثر من نسق وموضوع أدبي وفني وفلسفي، وحتى المختصون منهم بنسق معين، تجده يلم بالأنساق الأخرى،  وأن لم يزاولها فهو عارف بإسرارها، وهي حالة تعبر عن استمرار الأسلوب أو النهج الذي كان حاضرا ً في الثقافة العربية والإسلامية للعصور المتقدمة، كالكندي والفارابي وابن سينا ..الخ  وإلى وقت قريب كنت تجد مثل هذه الشخصيات في عصرنا الحاضر، ومثالا ً وليس حصرا ً، على من لهم اختصاص ولكنه ملم بفروع أخرى، الشاعرة نازك الملائكة، ناقدة إلى جانب شغفها بالموسيقى، والفنان جواد سليم، وحبه للموسيقى وعزفه على آلة العود وكتابته الشعر، وهذه أمثلة بسيطة ولكن كان من هو أكثر إيغالا، مثل جبرا إبراهيم جبرا ,وإسماعيل محي الدين، والكرمي، وجلال الحنفي.وإحسان وفيق السامرائي...الخ، هي لم تكن هبة إلهية للعراقيين وحدهم، وإنما بقايا أثار الحضارات القديمة والأقرب حداثة بما كان فيها من بانوراميين أفذاذ في كافة أنحاء العالم، وأخذت هذه الإبداعات بالانحسار التدريجي، أمام موجة تخصص التخصص التي وضعتها مناهج الحداثة وما بعد الحداثة في النصف الثاني للقرن العشرين، ولكن ظل في العراق والوطن العربي من يتسمون بهذه السمة، ومنهم الناقد شكيب كاظم السعودي، فقد استثمر جهده المعرفي الموسوعي ليتحفنا بمجموعة كتب في الثقافة والتوثيق والتاريخي إلى جانب النقد الأدبي ،  وكتابه ( والمرء يلقي عصا ترحاله قراءات في كتابات ) الصادر عن دار فضاءات في عمان، ب168 صفحة من القطع المتوسط، جاء في ( 25 )   فصلا ومقدمة، وجاء  فصله الأول: جبران منشئا رومانسيا وليس سياسيا. يتحدث السعودي قي هذا المقال عن جبران الكاتب والفنان، وليس كما يراه من كتب في نقده لجبران، وينحاز السعودي لجبران الفنان والكاتب.وهكذا يتسلسل في الفصول الباقية، متخذا من العناوين الباب الذي يدخل فيه لا عطاء راية في  القضية أو الحادثة أو الشأن الثقافي، ومحاولا في بعضها تصحيح الخطأ إذا كان تاريخيا بناء على ما وصل إليه من خلال بحثه الدءوب للوصول إلى الحقيقة، أو أعطاء رأيه النقدي أذا كانت الموضوعة تخص الثقافة، فهو كتب عن موضوعات مختلفة ليس هناك لها وحدة موضوعية سوى وضع بعض الآراء أو الإحداث أو الكتابات على المحك وتحت المجهر، واستنتاج ما كتم وما ظهر، ووضع استنتاجاته وآراءه وأخطاء الكتاب  والرد حول المفاهيم التاريخية المخطئة، أو الحوادث التي كتب عنها من غير توثيق وإنما اعتمادا ً على الأقاويل والإشاعة، وهو في رده وضع التوثيق من المعلومة جهد المستطاع، لتصحيح ما وقع فيه الآخر من خطأ، وما أصاب المكتوب عنه من حيف، وهو عمل ليس من السهل الولوج فيه وفي دهاليزه المعتمة بعض الأحيان، وما كتبه الأستاذ شكيب في مقدمته، من إنه سوف يتخلى عن مزاولة هذا الفن من الكتابة، يعتبر بحق خسارة كبيرة للثقافة العربية والعراقية في هذا الوقت الذي تشيع فيه ثقافة الانترنيت، التي سهلت عمليات السرقة والانتحال، لعدم وجود الرقيب الذي كنا نجده حاضرا ً دائما ً، ولهذا يقول فيما كتب." هذا لون من ألوان الكتابة، لم يتوله إلا قلة من الكتاب، لان من يتولاه ويكتب فيه يصيبه شئ من وجع الرأس والنفس ، وبعض أذى لأننا جبلنا على كيل الثناء والمديح، ,أصبحت تلك ثقافة شائعة فينا، لكني آثرت الكتابة فيه – لا رغبة في إثارة الضغائن والخصومات، لكن بحثا ً عن الحقيقة أو ما أراه حقيقة، وجعلتها الهدف الذي أرنو. " المقدمة ص 9،  وإذ يكتب عن تجربة الروائي الجزائري محمد ديب، نجده في الفصل الثالث أو المقالة الثالثة إذ جاز لنا القول، يكتب ذكريات يونس الطائي الذي شهد اللحظات الأخيرة لعبد الكريم قاسم، وهكذا نجد أنفسنا نطالع مجموعة مقالات ودراسات مختلفة في شؤون وانساق متعددة في آن واحد بين دفتي الكتاب، تارة ينتقد وتارة يصحح، وتارة يطلعنا على تاريخ ما ضاع من حادثة من الحوادث، مما يجعله كتابا ً جامعا ً يستطيع القارئ من إيجاد موضوعه الذي يخصه أو يرتاح له، دون العناء في البحث بعدة كتب للوصول إلى المعلومة، فيه هذا الشكل من الإمتاع والمعرفة، والدخول إلى عوالم متعددة، كتبه بأسلوب السهل الممتنع، ليكون في متناول الطبقات كافة، من أعلى سلم الثقافة إلى أدناها، فلم يدخلنا في متاهات التقعر اللغوي، ولا وضع جملا ليبن قدراته، إنما كتبه بأسلوب يروق للجميع.   
















 
 



  


 
 ̈
























̈
???
 


















̈