الخميس، 13 أكتوبر 2011

صالح أبو شندي ..... صلابة في ألخط وقوه في ألتعبير






صالح أبو شندي... صلابة في الخط وقوة في التعبير
لمسة ألوان من قرن مضي

مؤيد داود البصام
بدأت مسيرة الفنان صالح ابو شندي منذ عام 1953، عندما شارك مع مجموعة من الفنانين الأردنيين مهنا الدره ورفيق اللحام وآخرون في معرض جماعي، ثم توالت مساهماته الجادة في إقامة المعارض الفردية والجماعية منذ عام 1977. حصل علي بكالوريوس فنون جميلة من جامعة حلوان - القاهرة عام 1969، وماجستير في التصميم العملي والصناعي من جامعة برودا. كجارات. الهند عام 1992، ودرجة الدكتوراه في التصميم كرافيك، من جامعة برودا .كجارات . الهند عام 1999.
ويشكل الفنان صالح أبو شندي مع مجموعة معدودة من الفنانين الذين ما زالوا يمارسون فن الرسم، ويحسب من الفنانين الأوائل الذين اثبتوا حضورهم في الساحة التشكيلية الأردنية منذ ستينيات القرن الماضي، تواصلاً مع فن الرسم نظرياً وعملياً ، عبر المعارض التي أقامها أو إشترك فيها مع نشاطه التدريسي في الفن التشكيلي خلال العقود الأربعة الماضية،
إلي جانب تجاربه الحداثوية في بناء اللوحة، فقد ظل لفترة من الزمن يتعامل مع اللوحة كعمل تخطيطي لموضوعة نحتية يعبر بها عن شغف في حفر الخط علي سطحها وكأنه ينحت، (من تأثير ولعه بالغرافيك، وتأثير دراسته) وأستمر يصب اهتمامه علي الخط وقوة التشريح لشخوصه، وإذا عدنا إلي أعماله في سنين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي واشتغاله علي تخطيط المدن، وعرضه لوحات لأعمال تخطيط المدن الأردنية في أواخر الستينيات من القرن الماضي، فإننا سنري أن تلك الفترة وضحت هذه القوة والدينامكية والتصميم المحكم وصلابة الخطوط، بناءا علي رؤية في اختيار المكان وهندسة الزوايا، وما زالت بعض تكويناته الحديثة تحمل أثار مؤثرات ما أنتجه في تخطيط المدن، وأن دخلت فيها الزخرفة والرموز واهتمامه بالوجوه التي تظهر قساوتها بحدة الخطوط التي يحدد فيها تشخيصاته، إلي جانب ذلك إهتمامه بدراسة الشخصية وتحولاتها النفسية، ويتلاعب بالأبعاد من دون أن يخرق القواعد، إلا أنه في الآونة الأخيرة أخذ في تجارب تغيير نمط بناء اللوحة التشخيصية، مع استمراره في الاعتماد علي الخط كبناء مدعم لأسس التوازن العام، وأخذ في إلغاء التشخيص التدريجي ليحل محله أشكال تعبيرية ورمزية، أشكال متعددة البني وبعضها تجريدية علي سطح اللوحة، مما جعل الكتلة تسبح في فضاء سطح اللوحة، بالرغم من ارتباطها عبر سلسلة خطوط شبه واهية، لتشكل مساحات الفراغ في اللوحة الجزء الذي يقترب من أشكال الفنان كاندنسكي، يتداخل فيها مع عوالم كاندنسكي أكثر من عوالم أعمال الفنان ميرو، ذات الفضاء الواسع والفراغ البين بين الكتل، ولكن كل من ميرو وكاندنسكي اللذان اشتغلا علي مبدأ اللاتمثيلي أو اللاتصويري، كان تجريدهما صافي إعتمد علي تبسيط الشئ بألوان نقية اغلبها لا تمزج بلون آخر إلا ما ندر، والفنان صالح أبو شندي يأخذ نفس الأسلوب بالابتعاد عن التشخيص واللاتصوير، ولكن حسب رؤاه اللونية التي يضفي عليها مسحة من الضبابية، وتحديد للكتلة باللون الأصفر لإبراز الفضاء، ويأخذ الفراغ وجوده بين الخطوط أو الوصلات البسيطة باستخدام تحديد الأشكال باللون الأصفر، (الذي عبر عبر لقاءاته عن شغفه باللون الأصفر، لأنه يمثل لديه الشعور بالحيوية والتجدد والإستمرار، وامتداد الروح الدينية، ويضيف ولعل ذلك أيضا بتأثيرات والدي بحب اللون الأصفر وما كان يجلبه للبيت دائما من ورود صفراء)، كما أنه يحمل كتلته الرموز والزخارف بكثافة ليشتت قيمة الكتلة البصرية واختراق الحاجز بينها وبين المتلقي، وهو ما يتيح المجال للفراغ لإبراز الزخارف والرموز التي أتقنها وعاشت معه خلال العقود الماضية كجزء رئيسي في بناء نصه، والتي رسخت نفسها في الرؤية البصرية للوحته خلال تلك الفترة كونها أكثر قرباً إلي الفن الغرافيكي منها إلي الرسم، كما نجدها في أعمال الفنان بول كلي التي يؤكد فيها علي الخط بأسلوب الغرافيكي، والكتلة في لوحاته متحركة، حتي وهي ملغزة بالرموز والزخارف التي يستلها من التراث الشعبي المحلي، (الأردني الفلسطيني)، فهي في حالة حركة، تعبر عن حالة التعقيد والتشابك في الكتلة الواحدة، وتنقل لنا الجو الصاخب الذي يتحرك في داخل وجدان الفنان مع حالة القلق التي تظهر واضحة في كل أعماله، وعلي الرغم من تحولات بناء اللوحة الا اننا نستمر بملاحظة هذه الغربة والقلق من خلال هذا البناء المتعدد الأنساق والعناصر برموزه وزخارفه المتوقدة الحياة، ففي العناصر الجزئية التي ينشرها في لوحاته، نجد هذه الحركة الدأب للعناصر المكونة للوحة، وهي في الأخير تعبير عن شعور لدي الفنان أن هناك خواء تعبيري تحمله مشاعر الخيبة من الواقع، وعلامات لأشياء تنقص في الحياة ولا تكتمل، حالة من القلق المستمر والبحث عن السكون والاستقرار المطلق الذي يحاول أن يصل إليه، أمام ما يحسه من قسوة الإنسان، الرغبة في الوحشية التي يكتشفها تنبع من أعماق الإنسان، ولهذا فان تكويناته مزدحمة في صراعها، وجوهاً قاسيةً، أيدي متشابكة، يحددها الخط الصارم باللون الأسود، فيها ذلك الغموض الذي يصور عالما ملئ بالأحلام والكوابيس، إن لوحة الفنان صالح أبو شندي زاخرة بتقنية وإمكانية خطية ولونية، ولكنها ما زالت تعيد نفسها نصاً، وهي المسألة غير المفهومة، فهذا لا يمثل وحدة الأسلوب، لان العصر عصر تجارب وتحولات، والفنان أبو شندي أصلاً منذ فترة طويلة يخضع لوحته للتجريب، ويتعامل بحرفية ومنهجية صارمة، والمحاولات الأخيرة لديه في بناء اللوحة، تظهر هذه القدرة الرائعة التي يتمتع بها، إذا أستمر في توظيفها بما يملك من خزين وتجارب، فهو فنان مهم علي كافة الأصعدة في بناء اللوحة وتوازناتها، لوناً وقوة في صلابة خطوطه. 

صالح أبو شندي ..ز صلابة في ألخط وقوه في ألتعبير



صالح أبو شندي... صلابة في الخط وقوة في التعبير
لمسة ألوان من قرن مضي

مؤيد داود البصام
بدأت مسيرة الفنان صالح ابو شندي منذ عام 1953، عندما شارك مع مجموعة من الفنانين الأردنيين مهنا الدره ورفيق اللحام وآخرون في معرض جماعي، ثم توالت مساهماته الجادة في إقامة المعارض الفردية والجماعية منذ عام 1977. حصل علي بكالوريوس فنون جميلة من جامعة حلوان - القاهرة عام 1969، وماجستير في التصميم العملي والصناعي من جامعة برودا. كجارات. الهند عام 1992، ودرجة الدكتوراه في التصميم كرافيك، من جامعة برودا .كجارات . الهند عام 1999.
ويشكل الفنان صالح أبو شندي مع مجموعة معدودة من الفنانين الذين ما زالوا يمارسون فن الرسم، ويحسب من الفنانين الأوائل الذين اثبتوا حضورهم في الساحة التشكيلية الأردنية منذ ستينيات القرن الماضي، تواصلاً مع فن الرسم نظرياً وعملياً ، عبر المعارض التي أقامها أو إشترك فيها مع نشاطه التدريسي في الفن التشكيلي خلال العقود الأربعة الماضية،
إلي جانب تجاربه الحداثوية في بناء اللوحة، فقد ظل لفترة من الزمن يتعامل مع اللوحة كعمل تخطيطي لموضوعة نحتية يعبر بها عن شغف في حفر الخط علي سطحها وكأنه ينحت، (من تأثير ولعه بالغرافيك، وتأثير دراسته) وأستمر يصب اهتمامه علي الخط وقوة التشريح لشخوصه، وإذا عدنا إلي أعماله في سنين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي واشتغاله علي تخطيط المدن، وعرضه لوحات لأعمال تخطيط المدن الأردنية في أواخر الستينيات من القرن الماضي، فإننا سنري أن تلك الفترة وضحت هذه القوة والدينامكية والتصميم المحكم وصلابة الخطوط، بناءا علي رؤية في اختيار المكان وهندسة الزوايا، وما زالت بعض تكويناته الحديثة تحمل أثار مؤثرات ما أنتجه في تخطيط المدن، وأن دخلت فيها الزخرفة والرموز واهتمامه بالوجوه التي تظهر قساوتها بحدة الخطوط التي يحدد فيها تشخيصاته، إلي جانب ذلك إهتمامه بدراسة الشخصية وتحولاتها النفسية، ويتلاعب بالأبعاد من دون أن يخرق القواعد، إلا أنه في الآونة الأخيرة أخذ في تجارب تغيير نمط بناء اللوحة التشخيصية، مع استمراره في الاعتماد علي الخط كبناء مدعم لأسس التوازن العام، وأخذ في إلغاء التشخيص التدريجي ليحل محله أشكال تعبيرية ورمزية، أشكال متعددة البني وبعضها تجريدية علي سطح اللوحة، مما جعل الكتلة تسبح في فضاء سطح اللوحة، بالرغم من ارتباطها عبر سلسلة خطوط شبه واهية، لتشكل مساحات الفراغ في اللوحة الجزء الذي يقترب من أشكال الفنان كاندنسكي، يتداخل فيها مع عوالم كاندنسكي أكثر من عوالم أعمال الفنان ميرو، ذات الفضاء الواسع والفراغ البين بين الكتل، ولكن كل من ميرو وكاندنسكي اللذان اشتغلا علي مبدأ اللاتمثيلي أو اللاتصويري، كان تجريدهما صافي إعتمد علي تبسيط الشئ بألوان نقية اغلبها لا تمزج بلون آخر إلا ما ندر، والفنان صالح أبو شندي يأخذ نفس الأسلوب بالابتعاد عن التشخيص واللاتصوير، ولكن حسب رؤاه اللونية التي يضفي عليها مسحة من الضبابية، وتحديد للكتلة باللون الأصفر لإبراز الفضاء، ويأخذ الفراغ وجوده بين الخطوط أو الوصلات البسيطة باستخدام تحديد الأشكال باللون الأصفر، (الذي عبر عبر لقاءاته عن شغفه باللون الأصفر، لأنه يمثل لديه الشعور بالحيوية والتجدد والإستمرار، وامتداد الروح الدينية، ويضيف ولعل ذلك أيضا بتأثيرات والدي بحب اللون الأصفر وما كان يجلبه للبيت دائما من ورود صفراء)، كما أنه يحمل كتلته الرموز والزخارف بكثافة ليشتت قيمة الكتلة البصرية واختراق الحاجز بينها وبين المتلقي، وهو ما يتيح المجال للفراغ لإبراز الزخارف والرموز التي أتقنها وعاشت معه خلال العقود الماضية كجزء رئيسي في بناء نصه، والتي رسخت نفسها في الرؤية البصرية للوحته خلال تلك الفترة كونها أكثر قرباً إلي الفن الغرافيكي منها إلي الرسم، كما نجدها في أعمال الفنان بول كلي التي يؤكد فيها علي الخط بأسلوب الغرافيكي، والكتلة في لوحاته متحركة، حتي وهي ملغزة بالرموز والزخارف التي يستلها من التراث الشعبي المحلي، (الأردني الفلسطيني)، فهي في حالة حركة، تعبر عن حالة التعقيد والتشابك في الكتلة الواحدة، وتنقل لنا الجو الصاخب الذي يتحرك في داخل وجدان الفنان مع حالة القلق التي تظهر واضحة في كل أعماله، وعلي الرغم من تحولات بناء اللوحة الا اننا نستمر بملاحظة هذه الغربة والقلق من خلال هذا البناء المتعدد الأنساق والعناصر برموزه وزخارفه المتوقدة الحياة، ففي العناصر الجزئية التي ينشرها في لوحاته، نجد هذه الحركة الدأب للعناصر المكونة للوحة، وهي في الأخير تعبير عن شعور لدي الفنان أن هناك خواء تعبيري تحمله مشاعر الخيبة من الواقع، وعلامات لأشياء تنقص في الحياة ولا تكتمل، حالة من القلق المستمر والبحث عن السكون والاستقرار المطلق الذي يحاول أن يصل إليه، أمام ما يحسه من قسوة الإنسان، الرغبة في الوحشية التي يكتشفها تنبع من أعماق الإنسان، ولهذا فان تكويناته مزدحمة في صراعها، وجوهاً قاسيةً، أيدي متشابكة، يحددها الخط الصارم باللون الأسود، فيها ذلك الغموض الذي يصور عالما ملئ بالأحلام والكوابيس، إن لوحة الفنان صالح أبو شندي زاخرة بتقنية وإمكانية خطية ولونية، ولكنها ما زالت تعيد نفسها نصاً، وهي المسألة غير المفهومة، فهذا لا يمثل وحدة الأسلوب، لان العصر عصر تجارب وتحولات، والفنان أبو شندي أصلاً منذ فترة طويلة يخضع لوحته للتجريب، ويتعامل بحرفية ومنهجية صارمة، والمحاولات الأخيرة لديه في بناء اللوحة، تظهر هذه القدرة الرائعة التي يتمتع بها، إذا أستمر في توظيفها بما يملك من خزين وتجارب، فهو فنان مهم علي كافة الأصعدة في بناء اللوحة وتوازناتها، لوناً وقوة في صلابة خطوطه. 

هيلدا الحياري .. تعبيرية التجريد أم تجريدية التعبير؟؟



هيلدا الحياري.. تعبيرية التجريد أم تجريدية التعبير؟
اقتراب وابتعاد في آن عن المحسوسات البصرية

مؤيد داود البصام
الفنانة هيلدا الحياري، إحدي الفنانين الذين صاغوا حراكهم الفني، عبر إطلاق رؤاها الذاتية علي ظهر اللوحة، من دون وضع القيود علي الرغم من تمكنها من القواعد والأسس التي شكلت رؤيتها البصرية مع أفكارها، فقد مزجت بين دراسة العلوم السياسية وعلم الاجتماع الذي نالت درجة البكالوريوس من الجامعة الأردنية عام 1990، وبين إختيارها فن الغرافيك لتحصل علي البكالوريوس (حفر وطباعة) من جامعة الزيتونة عام 2003, وواصلت سعيها في الحفر لإيجاد قيمها الجمالية، بين تجريد اللوحة من أي شكل تشخيصي، وبين تجريد التشخيص، وهو ما اشتغلت عليه خلال السنين الماضية، وتأكيد جمالية تناسق الألوان في أعمالها التجريدية التعبيرية من خلال تسطيح اللوحة وإظهار الفضاء كبعد وحيد علي السطح ومن ثم الحفر رسما بالفرشاة أو بالسكين، لأشكال خارج إطار الواقع ولكنها تستند إلي أبعاد رئوية خاصة بمفاهيمها التي صرحت بها من خلال المقابلات واللقاءات التي أجريت لها، لتعطي بعدا ً فكريا ونفسيا ً لابداعاتها الجمالية، فلقد كانت بداياتها تأكيد علي الإظهار اللوني، وإبهار بالتشكيلات اللونية، وهذا الفضاء وفر معاينة اللوحة ببعد واحد، ولكن هذا الإبهار الذي تقدمه الرؤية النظرية للوحة من بعد، يتحرك نحو رؤية بصرية مغايرة عند الاقتراب من اللوحة، لمشاهدة الخطوط والمنمنمات التي تضعها، إن اللون له تأثيرات متباينة وجاذبية خاصة في إظهار التباين في التكوين، ومؤثراته مباشرة علي الرؤية البصرية التي تشعرنا بالمتعة الذهنية والحسية، ولكنها عادت لتتخذ موقفا بعدم تخلي لوحتها عن التشخيص في الأعمال اللاحقة التي قدمتها، مصاحبة لفنتازيات الألوان التي تشتغل عليها، وبدأت في محاورة التشخيص بعلاقة تدريجية منذ عام 2004 ، محاولة في إيجاد الروابط بين رؤيتها البصرية، والمحمول السردي في أفكارها، فهي لا تبتعد عن التماس مع هذه الأشكال البصرية التي تبدو بدائية، ممثلة لتلك الهواجس والأفكار ألجوانية، محولة إياها إلي قيم جمالية تستقيها من رؤيتها لوقائع بصرية كما سبق القول خاصة بمفاهيمها، ثم تتحول من وقائعها الحياتية إلي فنتازيات رئوية، تصور العالم حسب رؤية بصرية يختلط فيها الحلم بالواقع، وضمن تصوراتها للعالم والوجود، وذلك بطرح فلسفة النص ضمن مفهومها الخاص، وهو ما يوجد أبعاد لهذه العلاقات التي تحكم عناصر لوحة الفنانة هيلدا، يتملكها رؤية بصرية تعتمد علي اللون لكشف العلاقة بين الوعي واللاوعي، فهي تشتغل في مساحة اللاوعي، لإنضاج تجربة كشف المعاناة الداخلية بما تتيحه لها أفكارها المسبقة عن عوالمها الخاصة بها، فهذه الأشكال البدائية التي تتحول في بعض اللوحات إلي تكوينات هي أي شئ ممكن للمخيلة أن تتصوره، تكشف عن الصراع وفورانه في دخيلة الفنانة، أو الأفكار التي تعتقد أنها ممثلة لمرحلة معينة من تصوراتها الوجودية، لتظهر هذه الأشكال التي تنحاز كليا في البحث ببيئة تشكل كتلها والهيئات والأشكال داخل فضاء اللوحة، أو ما يحتويه الفضاء لإيجاد قيم جمالية بالتعبيرية التجريدية، أو بالتجريدية التعبيرية، وهو الفرق الذي تلجأ إليه للإشتغال بأعمال تجريدية تعبيرية، عندما تفلت منها لحظة الامساك بالفكرة التي تلح عليها ولا يمكنها من تنفيذها، فيأتي هذا الشكل التجريدي التعبيري وتنزاح التعبيرية إلي المرتبة الثانية في الكشف عن أبعاد لوحتها، وفيها تتأجج لحظة الحماس والعاطفة التي تخرج البناء الفني عن حدوده النصية، ويصبح مجرد عالم من الألوان يغطي سطح اللوحة ببعد واحد وبفضاء والبيئة التي اشتغلت عليها، لتبرز لنا لحظة نهاية الصراع والثورة الداخلية، وهذه المرحلة استغرقت لديها عدة سنوات عرضت فيها الكثير من الأعمال التي تعتمد علي فنتازيات الألوان، بعكس ما نجده في لوحتها التعبيرية التجريدية التي تلجا فيها إلي التسطيح، وتتمثل لديها الحركة بالسكونية والهدوء، ويبرز الشخوص وهم في حالة اندفاع إلي الأمام وكأن الصراع متقابل، والكتلة المتمثلة بالشخوص أو الألوان، كأنها تحاور بعضها البعض، مع تسطيح الخلفية التي تظهر حيادية في الشكل واللون باستخدام اللون الرمادي أو الألوان الحيادية، والفضاء الممتد مع امتداد شخوصها في صراعهم المتقابل، ولهذا فان لوحة الفنانة هيلدا الحياري، تقسم نفسها نصفين في حوارية سردية، الأول ما يمكن أن نسميه جوازاً لحظة تصادم الداخل مع الخارج، فتكون لدينا لوحات تجريدية تعبيرية، خلو من التشخيص وتأكيد علي اللون وما يؤثره علي الرؤية البصرية والجاذبية التي يشعها ، بالاخص عندما تكون الألوان الحارة هي السائدة، وفي الجزء الثاني، في تصادم العالم الخارجي مع عالمها الداخلي، تظهر لنا لوحاتها التعبيرية التجريدية، التي يحتل التشخيص الصدارة مع حيادية الخلفية كسطح ولون، وأخذت نقوشها وزخارفها مساحة كبيرة علي ظهر الكتلة، التي كانت تظهر في أعمالها السابقة كنقاط أو تضمينات بسيطة، تبرز بقوة لتنشأ لها وجودا متداخلا مع الكتلة الرئيسية، أو التشخيص، ليضفي عليها طابعا جماليا، مع الشكل العام، إن التشخيص الذي تعمل عليه بإدخال المنمنمات، يمنح لوحتها انطباع تكميلي إلي جماليات اشتغالها علي اللون كقيمة جمالية مستقلة في بناء اللوحة، ويمكننا رؤية هذا البناء الذي يعطي للعناصر قيمها كل علي حدة، وليس كما هو متعارف يمثل عنصر واحد، فعملية تجميع العناصر للاظهار الكامل هو بوحدة النص سرديا، وهذا الاشتغال الذي واكبها خلال مسيرتها الفنية عبرت عنه بشغفها في التجريب، فقد كانت أعمالها كما سبق القول خلو من التشخيص، لكن بدأت في كل معرض متأخر قدمته، تشتغل لإنضاج التجربة ولا تتركها الي تجربة أخري مغايرية وبعيدة عن التجربة الأساس، وهي بهذا تحقق وحدة الأسلوب علي الرغم من إشتغالها بالتجريب أساسا ً، ويتحرك الساكن والمضمر في لوحاتها ليندفع إلي الأمام ليبرز كشكل له وجود بين العناصر المتفاعلة، فما نجده بقع لونية كشكل جمالي، ليس لها معني معين، تضخمت لتكون أقنعة ووجوه، وتحويرات لأشكال بشرية، نساء بأوضاع مختلفة ومتعددة، مع دخول مرحلة زخرفة التشخيص بالمنمنمات، وتسطيح التشخيص، محورة بناء اللوحة نحو أبعاد جديدة ولكنها مكملة من الاشتغال الأول الذي اتسم بالفطرية والروح البدائية، وما مثلته الثقوب والبروزات لأشكال من عوالم أخري تشبه صور الأشكال الموجودة في الكواكب الأخري أو علي سطح القمر، في لوحاتها ليتم تركيزها علي البناء العام للوحة وتوازنها، بإيقاع موسيقي متناغم، مع كل تجربة تخطوها لاثراء العمل...

القصب يكتب سيرة الأهوار ألموغله بالعزله



عوالم مكتشفة تحت الماء في رواية نوح وكلاب الزمهرير لجاسم الهاشمي
القصب يكتب سيرة الأهوار الموغلة بالعزلة

مؤيد داود البصام
ينقلنا جاسم الهاشمي في مجمل رواية (نوح وكلاب الزمهرير)، الصادرة عن دار انانا للطباعة والنشر في دمشق/سوريا برؤي جمالية، عندما يلجأ إلي إعادة صياغة الحياة والواقع، بلغة تنحو نحو صياغة الأشياء حسب مفاهيمه وتجربته وجمالية الالتقاط، وحسب رؤيا يصورها مخزون الذاكرة بين الواقع والمخيال، و حلميه تري الواقع للاهوار والقري والأماكن المحيطة والقريبة جدا او الأكثر بعدا، بعين البراءة والطفولة، فهو يروي عبر جمالية ما تراه العين، التي امتزجت فيها الدهشة الطفولية مع الذكريات البريئة الحالمة، بعالمها الجميل الذي لا يتناسب مع عالمنا الضاج بمدنية زائفة، تستهلك الإنسان دون إن تتيح له رؤية هذا الكون وجماله، حملنا الهاشمي فأحال الشوارع الطينية، وبيوت القصب والبردي إلي مخيال و فنتازيات،
يسرح فيها التخيل حتي التداعي، وكأنها تشكل له حلما تحقق وضاع، او لم يتحقق وهو يلاحقه من اجل التحقق، عالم تتغير فيه الحياة بألوانها وإشكالها، وكأنما هو عالم آخر غير الذي نعرفه او نسمع عنه، تكوينات فنية يرسمها للإنسان والطبيعة والحيوان، حيوات عجيبة تتغير في نظرنا بناء علي الصور التي يبثها بهذا الحب والشوق والحنين، شدنا طيلة إحداث الرواية للمقارنة بين الزمهرير الذي يعيشه إنسان الاهوار، والزمهرير الذي يتخيله يوم القيامة، الزمهرير الذي يعاقب به رب العباد الخاصة الذين يجب إن يكونوا في صف المظلومين وليس في صف الظالمين.

السرد يتابع الحدث ولا يقيمه
يحكي لنا الهاشمي عن قرية في إطراف الهور من مدينة العمارة جنوب العراق (.......) وقد سبق له إن اصدر روايتان الأولي (أم أيشين) والثانية (ضياع بنت البراق) و الروايتان تتحدثان عن الهور والقري التي علي إطرافه، كما هي رواية (نوح وكلاب الزمهرير)، في هذه الرواية الأخيرة تتجلي الصور في ذهنيته ويكتب باحترافية عالية، وبلغة جزلة تتخطي في بعض مقاطعها الحدث، عن الطفولة ورؤيتها للعالم الذي تعيشه، وتصوراتها للبوح من أعماق تلتصق بالأرض وتعيش لحظتها بكل حب، يختلط فيها البراءة وقسوة الواقع الذي تعيشه، لتتمرد عليه حينما يصبح بإمكانها التمرد، ولكن تمرد مصحوب بالهرب من واقعها، لا لتغيير الواقع الذي ترفضه، ولكن للبحث عن واقع جديد، قصة الرجل الأعمي السيد نوح وابنه يوسف و أصدقاءه وبالذات جبار، وعلي الرغم من إن الحكاية تتحدث عن السيد نوح الذي أصابه العمي جراء خصومة هو ليس طرفا مباشرا فيها ( عندما امسكوا ببعضهم في النهر وتبادلوا الضرب بالعصي والعقل والخراطيش التي فقأت عيون نوح)،ًًًً الرواية،ص105، إلا انه ارتضي عماه تماشيا مع الأعراف في الريف، ولهذا فهو عندما يطلب وبإلحاح من (شاري) إن يحشو علبته بالتبغ، إنما يطلب حقه و يستجيب شاري، علي الرغم من تذمره الجواني، حتي تأتي اللحظة التي يقرر فيها نوح إن يتزوج، ويتزوج من الفتاة التي عاصرت زوجته السابقة أم يوسف قبل موتها، وكانت جارتهم وهي طفلة تلاعب ابنه عيسي، ولكن حفيف وهو اسمها تسهو وتترك عيسي يزحف علي هواه، فيقع في حفرة تكون نهايته، وبموت زوجته يقرر نوح الرحيل من أعماق الهور إلي إطرافه،وحين يقرر الزواج يتوجه هو وابنه يوسف لخطبت حفيف، في نفس الوقت الذي يريد إن يخطبها شيخ العشيرة، المزواج والداعر، لتكون ضمن زوجاته السادسة والعشرين، وهنا يحدث الصدام الذي ينبني عليه الحدث السردي، المتوازي مع حدث تمرد مدير المدرسة علي شيخ القرية، والذي تسبب بنقله، وعلي الرغم من إن صدام المدير كان لأجل أبناء المدرسة وبالذات الطالب المشاكس جبار، وحرمة المدرسة، إلا إن موقف الأهالي يبقي سلبيا، فهم لا يفعلون سوي الحزن وتوديع المدير، بعد ما ينجح تأثير الشيخ علي نقل مدير المدرسة، وسيتكرر هذا الموقف، عندما يتحدي نوح شيخ العشيرة ويوافقه سلمان والد حفيف، وعندما يظلم شيخ العشيرة سلمان، ويسجنه في الماء بأعماق الهور، يعود نفس الموقف السلبي، الذي يصفه الهاشمي (لابد إن السماء تهيئ للقرية حدثا جديدا) الرواية،ص105. إن روح الاستسلامية والخضوع للإقطاع والسراكيل ووكلائهم، هي البنية الرئيسية التي يريد إن يقولها لنا السرد، فحتي تمرد الأطفال محكومة بالطبقية وضمن اعتبارات الغني والفقير، ورضوخ السلطة لإحكام إقطاعيها، ومجموع الآخرين أرقام لعجلة الإنتاج الرأسمالية التي يتحكم بها الأغنياء وإتباعهم، وما حدث للمدير او في موقف نوح، سيؤرخ كحدث غير عادي في حياة المنطقة، فالحياة الرتيبة هي السمة الغالبة، والرواية تؤرخ لفترة من تاريخ منطقة مهمة في جنوب العراق بعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية، وتصوير الزمن دائرة مستمرة الدوران من لحظة غياب جبار عند موت والده وعودته، ومن ثمة اختفاء يوسف وترك النهاية مفتوحة، استمرار التكرار والرتابة في الحياة لعدم وجود ما يغير الواقع، او يحدث ما يغير الواقع، فعندما يتزوج نوح حفيف بنت سلمان بالرغم عن الشيخ،وبعد إن يفك نوح سلمان من السجن في مياه الهور، العقوبة التي أمر بها الشيخ علي سلمان، لرفضه تزويج حفيف له، وأستطاع السيد نوح بقوة العرف الديني لمكانته كحد فاصل أن يجعل الشيخ يرضخ لطلبه، لمعرفته مكانة الدين في التحكم بعقول وحياة هؤلاء الناس فيرضخ لنوح ويحرر سلمان من سجنه، ويأخذ نوح سلمان وعائلته إلي حيث يسكن ليقيم معه في قريته التي سكنها بعد إن هجر الاهوار، و تنجب له حفيف بديل الذي غاب عيسي آخر، وهو ما يعني التكرار والاستمرار بالدوران، في داخل الدائرة إلي ما لانهاية، لحياة تتملكها الرتابة، والإحداث فيها موسمية أو لدهور، لا جديد تحت الشمس، ما دام الإنسان والأرض يعيشان تحت رحمة زمهرير الطبيعة، وزمهرير السلطان، وهو الموقف الفاصل لتمرد جبار ومن ثمة يوسف.

حولات الشخوص
ماذا أراد الهاشمي إن يقدم لنا في روايته؟ إذا أخذنا الشخصيات الرئيسية، او التي واكبت العملية السردية وكانت فاعلة في أحداثه، تتحدد في أربعة أشخاص، نوح وابنه يوسف، وجبار وأبيه زريزير، بينما لم تنمو بقية الشخصيات، وظلت ضمن إطار تحريك الحدث، وليس فعل الحدث، شاري و زوجة شاري، وسلمان وابنته حفيف وأم حفيف، ومدير المدرسة (علي الرغم من أهمية ما قام به، الذي شكل مع موقف نوح ضد الشيخ، البنية الرئيسية التي استندت عليها الرواية، لتخرج من الوصف المكاني او السيرة الذاتية، إلي رواية الحدث)، والشيخان وبقية أطفال القرية، كل هذه الشخصيات مع الذين ذكرهم من أشخاص قرية نوح، او الأشخاص في قرية سلمان وعبيد الشيخ، ظلت علي هامش الحدث ولم يوليها القدر الذي تتسع له العملية السردية، خصوصا وهو يتكلم عن عالم، يجهله الكثيرون، بما يحمله من بنية اجتماعية واقتصادية، جعلت منه عالم خاص بذاته في الكثير من المفاهيم والعادات، والثقافة بشكل إجمالي، فهو لم يوضح هذه الإمكانية والقوة التي تجعل من الرجل الضعيف الأعمي، الذي ينوح لأجل إشباع رغبته في التدخين، إن يقف هذا الموقف الشجاع والقوي، الذي ينم عن سلطة مهابة، ترك الأمر للمتلقي لكي يعرف إبعاد المؤثر الاجتماعي والديني علي مجتمع الاهوار والمناطق البعيدة عن المدن، لهذا كانت أشبه بالمفاجئة هذه القوة إلي ظهرت لنوح من بعد الضعف الذي سرده علينا، كما انه تطور في سرد شخصية جبار، ولكنه تركها في النصف الثاني من الرواية، ولا تظهر إلا في النهاية دون دور مؤثر، وهي الشخصية الفاعلة صخبا وضجيجا في النصف الأول من الرواية، كإحدي الشخصيات المهمة والمتنامية في تحريك الحدث، لكنها تنطفي مع أول حدث تواجهه وهو موت والده زريزير، وكأنما أراد إن يوضح لنا حالة الصراع الإنساني الذي تتحدد به تلك البقاع المهملة من السلطة الحاكمة، مع ما تملكه من غني فكري واجتماعي واقتصادي، وهو ما يجعلها لا تنظر لذات الشخص ككينونة لها وجودها المعنوي والمادي، وهي غير مؤثرة في حالة وجودها او غيابها في الحياة الرتيبة التي تسير عليها البلدان الواقعة في هذا المحور، وبالتالي فان من يذهب لا يفرط جزء من الحلقة التي تدور حول نفسها، ويبقي الزمن كفيلا بنقل حالة من غابوا، بالتذكر او النسيان.
حاول الراوي أن يضعنا في موقع الحدث ليشركنا فيما يحدث، دون إن يوجهنا مباشرة، لهذا كان لجمالية اللغة سحره الذي نصب لنا الفخ به، فقد ابرز أوجه الصراع دون إن يحدده أو يسميه، المحنة الأولي حالة التخلف والجهل التي تسود المجتمع وسيادة الإقطاع ورجالاته، والإمراض التي تفتك بالمجتمع من دون وجود من يحرص علي عدم استفحالها وما تسببه من آلام (فتق زريزير، وعمي نوح)، الفقر والحالة الاقتصادية المرتبطة بملاك الأرض وما يفرضونه من سلطة علي البشر المتواجدين في هذه البقعة، والتحكم بمصائرهم، وتتعدي السلطة المحلية، لفرض سلطتهم حتي علي الدولة مثالها (نقل مدير المدرسة عند صدامه مع شيخ العشيرة، وثانيهما ما يختاره شيخ العشيرة من نساء كيفما يشاء من دون اعتراض، ومن يخالف ينال العقاب، كما حدث مع سلمان وابنته حفيف)، والصراع الثالث الذي يرتبط بالصراع الأول، وصفه للبرد وحالة الناس إمام عصف الطبيعة، التي لا يملكون حيالها إلا الاستسلام، لعدم إمكانيتهم الاقتصادية، وربطها بعقاب الله للنخبة التي تخالف ما انزله الخالق علي عباده، في معرفة كيف تدار شؤون العباد، وأهمية المعتقدات الغيبية في حياة هؤلاء الناس، في هذه الصراعات لخص لنا الهاشمي أوجه المعاناة، والمعتقدات الغيبية التي هي جزء مهم من الموروث الفكري والاعتقادات في حياتهم، وقوة هذا الموروث في فرض قوته وسلطته، فوق كل السلطات، وكيفية تحكم قيم بمصير البني الاجتماعية، والقيمة التي تتحكم بالكل من خلال الجزء، قد يراها مجتمع آخر مخالفة لعرفه وتقاليده، فيرفضها ويعتبرها شئ خارج الأعراف والتقاليد، وهو ما ينطبق علي مجتمع الاهوار الذي تحدث لنا عنه الهاشمي، في رفضه وعدم تقبله لما يخالف ما اعتاد وتربي عليه، إن الرواية تناقش البناء الحضاري للإنسان المفقود بهذه البقعة، كما تشاركه بقاع أخر، وهي مشكلة الإنسان في عالم يضج بالتحولات والتطورات، بينما تعيش مجتمعات وشعوب في عتمة التخلف والجهل، واستمرار للجمود وعدم التطور، يؤشر له (لم يكن قد طرأ شئ جديد علي القرية بعد اختفاء زرزور وولده)، الرواية،ص100 كما إن الحياة في ظل ملاك الأراضي لا تملك إمكانية مقومات التحول والتغيير، (فالموقع هو الموقع نفسه، والفلاحون هم أنفسهم، يموت أجداده فيتركون الأرض والفلاحين لآبائه، ويموت آبائه فيتركونهم لأبنائه من بعده)، الرواية ص163.

الخلاصة
إن رواية نوح وكلاب الزمهرير، ليست مجرد سيرة ذاتية، إذا نظرنا لها كبناء سردي، أو رواية لشخصية السيد نوح، فان المقاطع السردية يتزامن فيها السرد للمتن الحكائي مع البناء الحكائي، من خلال المكان والزمان الذي حدثت فيه، بحيث لا تتعدي الزمن المحدد الذي حدثت فيه، لتصبح شخصية الصبي جبار، الجندي جبار، والطفل يوسف، الشاب يوسف الذي يمتلك حرية خروجه من عالم القرية، فالكاتب حدد الهيكل الذي أقام عليه العلاقات العامة والخاصة، من خلال نوح الذي يمثل العلامة النصية للسرد، بتوافق المتن مع العنوان، في إظهار أهمية نوح الذي يمثل النخبة التي ستعاقب، إذا ما خالفت ما اسند إليها من حقوق البشر، وهي ليست مجرد ترجمة أدبية، للظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية المحددة التي عالجها الكاتب، في منطقة معزولة، فالرمز فيها واضح، وشكلت بساطة الاسترجاع روح المكان، إن روح المكان تضج بين جنبات الرواية، وأهله يسورهم المكان ويحدد وجودهم، من يخرج من هذه الدائرة، يصبح في عداد اللا وجود، المكان هو الوجود الذي يشكل حواتهم في اليقظة والمنام، الاهوار وقراها، وعناصر تكوينها الماء والأشجار، ولم يتجاوز البعد المكاني الذي حدده بين الهور والقري التابعة له، أبقي السرد يدور ضمن بقعة محددة، قاصدا ً أيضاح كل المبررات التي تحدث من كون هذا العالم مستقل بذاته، وللماء والجو في تقلباته أهمية جوهرية في عناصر الرواية، كلها علاقات تصهر الإحداث والشخصيات بعضها بالبعض الآخر، لتعطي هذا الخليط المتجانس ليشكل لنا هذه الكتلة بما هي عليه، وهو ما جعل الرواية ثرية بصورها، وبلغة مبهجة يتغني الهاشمي في وصف المكان، ويعيد تركيب اللغة حتي يصل في بعض المقاطع، اهتمامه بها أكثر من اهتمامه بالإحداث والحبكة والشخصية، وتغدو الصياغة اللغوية مؤثرة أكثر من الحدث، الذي ظل يردد بهجتها، خصوصا عندما يستخدم الأوصاف والنعوت ليمجد بها هذا المخيل الرائع عن المكان والماء في نفسه، فالمكان لا يتغير إلا في حدود الانتقال الجزئي بين القرية وأعماق الهور، الهور الذي يشكل العمق للقري المحاذية له، وكذلك بالنسبة للأشخاص لا يحصل لديهم التحول إلا بفاجعة الموت أو ترك القرية إلي المجهول، فالهاشمي يبدأ روايته بالعرض المؤجل، وتتطور الإحداث بتنامي، ولا يتحدث عن الشخصيات إلا من خلال تطور الإحداث، الصبي جبار وكربته المبتكرة، والأولاد يقلدونه وهكذا تستمر الإحداث، فالمتن الحكائي يظهر الإحداث كمجموعة حوافز متتابعة، انه يضع مجموعة من الحوافز لها مؤثر في تغيير المتن الحكائي، وحوافز لا تشكل بالضرورة تغييرا في البنية السردية، (موت زرزور وزواج نوح) ولكنها حوافز أساسية تخل في البناء إذا ما تغير مسارها، وصولا إلي إدراك الغربة وفقدان الحنان، بحسب السبب والنتيجة، ومن اجل إن لا يجعل الخطاب خطي، عالجه باستخدام الاسترجاعات الزمنية، إن كانت استرجاعات داخلية أو خارجية، وكل هذه الاستخدامات للعناصر السردية، في سردها لظروف القرية وأشخاصها، أفكار مطروقة علي قلة الذين كتبوا عن المكان والإنسان في هذه المنطقة، ولكن ما هو المهم في هذه الرواية، التي ينقلها من سيرة ذاتية إلي عمل روائي، هو اللحظة التي يكتشف فيها جبار، وجوده وكينونته، انه يعيش في فراغ، ولحظات الصول والجول في القرية، لا تشكل له إي ارتباط عندما فقد الحنان، بموت زرزور، (انسحب جبار مرة واحدة من كل القرية خارجا من اردانها بعد أن كان يختنق بها)، الرواية. ص101، وهو ما سوف يتكرر مع يوسف، عندما يتزوج نوح من حفيف، (لقد تغير علي يوسف كثيرا، منذ مجئ بيت سلمان ومولد عيسي)، الرواية ص167، هذه هي النقطة الرئيسية التي تحدد مرتكزات بنية العمل الروائية، نقطة التحول التي تترك خلفها عالم كانت منغمسة فيه، إلي عالم مكتشف جديد، رؤية تجعل جبار ويوسف في لحظة تحول غير مدركة، وبالفطرة التي تعاملوا بها مع حياتهم، تعاملوا مح الحدث الجديد الذي أنوجد ليغير المسار، ولكن الكاتب بدلا من تنمية شخصية جبار، وإعطائها إبعادها الوجودية، في سر اكتشاف الذات، ووصولها إلي نقطة البؤرة في إهمال الفعل المرئي الذي قدمه في النصف الأول من الرواية، وإبراز الجانب اللامرئي، ما بعد قراره التخلي عن القرية وأهلها لشعوره بالغربة، وفقدانه الحنان الذي كان يوفره له زرزور (والده)، هذه اللحظة المهمة في سير العملية السردية، أهملها وتابع السرد التسجيلي لحياة القرية، وهو ما سيعود لاتخاذ نفس الموقف مع يوسف، وهنا السؤال، لماذا توقف الهاشمي عن متابعة البؤرة واستمر في التسجيل ألوقائعي، هل أراد إن يقول لنا، إن الحياة في هذه البقعة هي كما ترونها وهي تفسر نفسها بنفسها، وان المشكلة التي تخلقها كل العناصر والعلاقات التي تقدم ذكرها، تنتج لنا تجذر اللا انتماء والانتماء الشكلي، فلماذا لم يلاحق سرده؟ هذا هو سؤال (الأنا)، الذي فجره جبار ومن بعده يوسف، إن كان ما يشدهما الحب والحنان، وبفقدانهما ماذا يتبقي؟ ليس لديهما للتمسك به إلا الكربات خلف الشبة، فحتي عندما أعاد جبار، أعاده ليعيد أنتمائه، في هذه الرواية يثبت جاسم الهاشمي انه احد الروائيين الذين لهم حضورهم في عالم الرواية العربية والعراقية، وما زال في القادم قضية .