الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

نحن والآخر ... من وجهة نظر د. نجم عبد الله كاظم




نحن والآخر...
-        مؤيد داود البصام
   
 المقدمة : 
            خلال مدة متقاربة صدرت إلى د. نجم عبد الله كاظم، ثلاث كتب، يمثلن مشروعا ً يمكن أن نطلق عليه ( نحن والآخر)،  وهن يشكلن مع دراساته وكتبه التي نشرها وأصدرها سابقا ً من دراسات نقدية ، مشروعه في الثقافة النقدية العراقية والعربية، إلا أن لهذه الكتب  التي صدرت أخيرا ًخصوصية مناقشة الآخر، كمشروع له أبعاد فكرية يحمل في جنباته نقد النقد، وهو ما يشكل مقاربة نقدية تفضي إلى وضع الإنسان العراقي أولا والعربي ثانيا، في محك الدراسات النقدية السابقة التي نشرها، ليس من حيث البنية الثقافية و فنيتها وتقنيتها وحسب، ولكن من حيث البنية الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، حتى وإن لم يصرح بذلك، ولكن التعرض إلى مسألة الإنسان بوصفه مسؤولية تجاه القضايا العامة، وبالأخص مفهوم الوطنية  وسلوك الفرد تجاه الوطن كما في كتاب (هومسيك )، يضعنا في هذا التفسير، فهو يناقش (نحن ) ومفهوم الوطن لدينا، خصوصا ً مفهوم الوطن لدى المبدعين عموما ً، وبالأخص في عصر ما بعد الحداثة، التي ثلمت الكثير من مفاهيم الوطنية، حسب وجهة نظر الغرب الرأسمالي، وليس حسب مفهوم ما بعد الحداثة كتطور حضاري وعلمي وتقني، وهذا ليس موضوعنا، ولكن فيما قدمه عن العلاقة بين المثقف والوطن، " إن علاقة هذا الفنان أو الأديب بالوطن، وإدامة هذه العلاقة تكتسب دلالات أكبر وأوسع وأبعد مدى من تلك التي تكتسبها علاقات المواطنين العاديين بأوطانهم " (1)، ثم يتبعها بمناقشته النقدية في الكتابين الأخريين، وبهذا يشكلون جميعاً ما ذهبنا إليه، مناقشة ( نحن والآخر )، من الجانب الفني والأخلاقي، ضمن أنساق الحياة الأخرى التي ذكرناها.  
الآخر في الشعر العربي الحديث..
        صدر كتاب ( الآخر في الشعر العربي الحديث )، العام 2010.عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت. وفي هذا الكتاب يناقش مفهوم الآخر، ليكون المقصود بالآخر حسب تعريفه " كل الأمم عدا العرب " (2) . و( نحن ) العرب بصفة عامة،  والآخر هنا بصفته مؤثر ومتأثر، ولكنه يركز على تأثير الآخر، من حيث مجمل حضوره في الشعر العربي الحديث، ويقسم الكتاب إلى خمسة فصول ابتداء ً من الفصل الأول مشيرا ً فيه إلى تاريخ اللقاء بين الشرق والغرب، وهو تاريخ اللقاء بالآخر، وتأثيرات هذا الحضور في العرب، ومن ثم تأثير الآخر في الشعر العربي الحديث. ثم أنماط حضور الآخر وتشكلاته في الشعر العربي الحديث، بصوره وأشكاله، في المدن والأمكنة، وفي الإعلام وما أنجزه، وفي الفصل الثاني: أبعاد حضوره وتمثلاتها، وفي الفصل الثالث: حضوره الإنساني والوجداني / الحضور الفكري والأيديولوجي /  الحضور الحضاري والثقافي. ثم يناقش في الفصل الرابع مستويات حضور الآخر،/ مرور الآخر / الآخر موضوعا ً للقصيدة / تبني الآخر وتوظيفه.  وينتهي في الفصل الخامس إلى تفريق مفهوم الآخر في الشعر العربي الحديث، بصورتيه الصديق والعدو./ صورة الآخر العدو / صورة الآخر الصديق / تأثير الآخر في الشعر العربي، ويختتم الكتاب بنصوص شعرية مختارة ، كان قد استشهد بها في متن الكتاب.
        في هذا الكتاب يستفيض في مناقشة الآخر من حيث كونه خارج الإطار، وماذا يعني لنا الآخر بصفتيه الصديق والعدو، وماذا يعني خصامي مع الآخر ؟  ويتساءل عندما يحل موقعه بموقعي ؟، هل يستمر الخصام أم أصبح أنا المظلوم وهو الظالم، عندما كنت أصفه بالظالم وأنا المظلوم،  ويرجع هذه الرؤية المتخلفة لرؤية الآخر عدوا ً كجزء من الصراع، الذي نقل من الثقافة الثورية للسياسة إلى الثقافة العامة، ويرى أنه عندما يضع كل شخص موقفه بديلا ً عن الآخر، سيجد أن التقارب والحوار هو الأسلم، وليس الصدام والتهميش والإلغاء، وهو إذا تحدث عن الآخر فإنما يتوقف على مؤثرات العالم الغربي أو الرأسمالي الذي ارتبط به العالم العربي تحت الهيمنة الاستعمارية، لتشكل هذه الهيمنة أساس التأثير المباشر، ويأخذ بعض جوانب من مؤثرات الأيديولوجية الاشتراكية أو الشيوعية على بعض الشعراء، ولكن تبقى هيمنة مؤثر الثقافة الغربية. " بمختلف تشكيلاتها، المجتمع والحضارة والإعلام والأحداث والتيارات الفكرية والإيديولوجية والثقافية...الخ والتأثر به التأثر الحضاري والإنساني والفكري والسياسي، " (3)، وفي الجانب الآخر فهو إذ يضع مجمل العوامل المؤثرة، يقارن بين الإيجاب والسلب في علاقة التأثر، " وإذا كان من الطبيعي لغالبية هذه العوامل أو المؤثرات أن تلعب أدوارا ً في رسم الصورة السلبية للغربي كما يراها الأديب العربي، لاسيما خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لتنعكس بالتالي على التعامل معه، فاننا يجب أن لا نستبعد أن يلعب المؤثر الحضاري – الإنساني " ( (4. وإذ هو يحدد هذه المؤثرات على الإنتاج الإبداعي، ينتقل إلى جهد إبداعي آخر ليدرس نفس الإشكالية في المؤثر، ولكن باختلاف الشكل الإبداعي بين المنتج والمقيم للإنتاج.
أيقونات الوهم..الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث(5)
         إننا إذ نتناول كتاب ( أيقونات الوهم ) ثانيا، لان المؤلف في كلا الكتابين (الآخر في الشعر العربي)، وهذا الكتاب، يتناول المبدع العراقي والعربي، أديبا ً وناقدا ً، إما في كتاب (الهومسيك) يقتصر على الأديب والفنان العراقي بالخصوص، وأن يورد من ضمن الأمثلة على المبدعين العرب، وهو ما يحملنا على حصر النقاط النقدية الهامة في مناقشة ( الآخر ) من الداخل والخارج، كوننا المعنيون ب ( نحن )، وما يمكن أن نراه في طرف معادلة الإنتاج، المنتج والفاحص، قبل الطرف المقابل المتلقي، ففي كتاب أيقونات الوهم يتحرك د. نجم باتجاه الكشف عن المؤثرات إن كانت في الإبداع أو في نقد الإبداع، وهو ما يوصلنا إلى جوهر المنهج الذي يسير عليه على الرغم من أنه لا يدعيه، فهو يضع الميزان للتقييم ولا يدعي وضع منهج للعملية الإبداعية بمشتركاتها، " ما نراه أوهاما ً وأخطاءً، وربما صرامة متطرفة وغير منطقية من أولئك الذي اعتادوا أن يخطئوا الآخرين فيرون كل خروج عن الأصل الغربي للمنهج أو المصطلح على أنه عدم فهم ووهم." ص10 (أيقونات الوهم).، وضح العلاقة الإبداعية بمؤثراتها الخارجية، ثم تناول مقيمي وفاحصي العملية الإبداعية، وبما انطوت عليه من اختلاط العلاقة بين الأنا والآخر في فهم المؤثر والمنهج، ومنهاج التفكير الذي يغلق على العملية الإبتكارية، ويرسخ روح النقل والاستنساخ، " فالكل يختلط بالكل بقصديه أو حتى بدونها، ببساطة لأن ما من شئ يأتي أو ينبثق من فراغ "، ويؤكد على أهمية دراسة النص من جميع أوجهه، خارج إطار ما عرف بموت المؤلف، " إن مضامين هذه الرسائل وقدرتها التأثيرية موجودة في النص أصلا ً، نرى أنها ذوات جذور أو أصول فيه، قد تعود بذراتها إلى المؤلف متمثلة في تجربته بأشكالها المختلفة،" ص  .30أيقونات الوهم. وهذا ما يدعم إدعائنا بان المباحث في كتبه الثلاث وبعض مما كتب سابقا، تشكل مشروعا واحدا ً،  وقد صاغ فصول الكتاب في ستة فصول أعطاها أسم ( أيقونة )، وهو يعني بها كما جاءت في المعاجم (الصورة أو التمثال)، أي حالة السكون والثبات، مما يعني الوقوف وعدم التطور والنمو، ففي الأيقونة الأولى يناقش أوهام المناهج، وفي الثانية أوهام الأجناس والتجنيس، وفي الثالثة أوهام المصطلحات والمفاهيم، وفي الرابعة أوهام النظرية والتطبيق، والخامسة أوهام المقولات والمسلمات ويختم الكتاب في السادسة أوهام أخرى في الأدب والنقد ، وفي الفصول التي سماها أيقونات يناقش العملية النقدية في العالم العربي من خلال الأسماء والرموز النقدية التي لها مكانة في الساحة الثقافية العربية، ويحاور ضمن ما يطرحه، أن النقد العربي يجب أن يكتسب ( الاجتهاد والرأي)، وفي أيقونته الأولى، إذ يناقش الثلاثي، المؤلف أم النص أم القارئ، ويتعرض إلى الأطروحات النقدية العراقية وتطبيقات النقاد الخاصة، ويستعرض تجربة الناقد فاضل ثامر، وهو إذ ينتقد تحول فاضل  ثامر من النقد التطبيقي الذي يقول فيه  انه أبدع فيه إلى النقد النظري" الذي سحب ناقدنا عن الميدان الذي طالما أبدع فيه، وهو ميدان النقد التطبيقي الحقيقي، " ص73 ايقونات الوهم. ليربطه بما سماه في أول الباب "أوهام المنهج".
الأيقونة الثانية: أوهام الأجناس والتجنيس
            في أيقونته الثانية يرحل مع ( لعبة النص وورطة الناقد ) ويرى أن الكتابة عن نصوص لا تملك سمة الإبداع أو معطيات جديدة، وضمن تجارب أي من هؤلاء الكتاب، إذ يحقق أحيانا ً شيئا ً يلفت النظر -- لكنه لا يسجل على أية حال حضورا ً إبداعيا ًحقيقيا ً، ولا يفرز معطيات نقدية لها قيمتها ..ص 70 وإذ يأخذ الناقد فاضل ثامر في التحول من النقد التطبيقي إلى النقد ألتنظيري، ويعده خسارة لحركة النقد ، فانه يتناول القصة القصيرة جدا ً عراقيا وعربيا ً، وينتقل إلى ( القاص وسحر الرواية )، وكيفية تحول الكثير من القصاصين إلى الكتابة الروائية، ومديات تعامل النقد مع السرد في القصة والرواية، وعن متطلبات الفن الروائي واختلافه عن فن القصة، يتناول رواية ( نهايات صيف لموسى كريدي )، ويصل في النهاية إلى نتيجة , يجب أن يجمع من يفعل ذلك بين تمكنه وحرفيته في ما يكتب فيه، والتمكن من مقومات ما يريد أن يكتب فيه، وهو في الواقع كثيراً ما يتحقق في تجارب كتاب ينتقلون من كتابة القصة القصيرة إلى كتابة الرواية، ولكنه في الوقت ذاته قد يسجل إخفاقاً لكتاب آخرين ينتج عن قصور في تقديراتهم واستعداداتهم لخوض غمار الفن الروائي. ص106.
الأيقونة الثالثة: أوهام المصطلحات والمفاهيم ..
           من أسس التفكير العلمي تحديد مفهوم المصطلحات والألفاظ، وبدونها تصبح المسالة فوضى يصعب بعدها تحقيق الأهداف البحثية على أسس علمية، وهذا الفصل أو الأيقونة يناقش هذه المسالة المهمة لتعيين حدود الخطأ والصواب، في الدراسات المطروحة في العربية، ويشكل الأدب والنقد الحقول الأخصب لهذه الظاهرة، وكذلك حقل الفن وان أغفله المؤلف، لكونها حقول دائمة التطور والتجديد والتغير، ونفتقر في اللغة العربية هذه الملاحقة لتغير وتطور المصطلح، ويعطي لنا مثالا على ذلك مصطلح ( النقد ) الذي حدث عليه الكثير من التحولات، ويرى إن ضبط المصطلح ليس بالأمر العسير ويضع جملة مقترحات لذلك، ثم يتناول ( التأثير والتأثر بين الفهم الخاطئ وحساسية الأديب )، ويناقش هروب الكثير من الأدباء من الإعلان عن تأثرهم بأديب آخر، ويرى انه لاعيب أن يحدث المؤثر، وهذا لا يمس مقدرة الأديب أو الانتقاص منه، خصوصا وان مسالة التأثر والتشابه في الأعمال الأدبية مسالة معقدة ترجع إلى عهود سحيقة. ص 125، ولكنه يورد أمثلة على تقبل  بعض الأدباء لمسالة التأثر برحابة صدر وتأكيد، مثل جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن الربيعي، وهذا ما يجعل كل أدب قومي، لا يمكن أن يكون بمعزل عن الآداب القومية الأخرى، ويستشد بقول نجيب محفوظ ( إننا يجب أن نميز بين ثلاثة أشياء ضمن هذا الموضوع، التقليد والتأثر والسرقة ، فهي أشياء تختلف عن بعضها البعض كل الاختلاف ). وينهي الأيقونة الثالثة بموضوع ( أدب الحرب وفوضى التنظير للمصطلح ).
الأيقونة الرابعة:أوهام النظرية والتطبيق...
        يبدأ الفصل بالعنوان الأول : النقد العربي الحديث بين النظرية والتطبيق، ويقسمه إلى ثلاثة محاور يتناول فيهما أسباب ضعف النقد في الوطن العربي عموما، وتحول النقاد إلى النقد التنظيري بدل النقد التطبيقي، وهو ما عده في الأيقونة خسارة للنقد بالنسبة للناقد فاضل ثامر، ليأخذ نموذج ( قراءة في نقد السر في عُمان.. ظواهر واتجاهات )، ويقسمه إلى أربعة مباحث، ليخرج بالنتائج، أن النقد في عمان في مراحل التأسيس ويعتمد على النقاد الوافدين، ولهذا يفتقد إلى ديمومة التجارب.وينهي الخامسة:حديث عن ( النقاد وعمارة يعقوبيان )، ويقسم المبحث إلى ثلاثة مواضيع في خصوصية الرواية ونقدها.
الأيقونة الخامسة : أوهام المقولات والمسلمات ...
              في هذه الأيقونة يبدأ بالعنوان التالي:الصورة والكلمة والأدب / نقد مقولات الموت. ومن خلال العنوان يتوضح لنا ما يريد أن يقوله المؤلف، في الدفاع عن الكلمة المكتوبة أمام الكلمة المصورة، ويقف بكل جهده العلمي والذوقي للبرهان على أن الكلمة المكتوبة، لن يكتب لها الموت كما يبشر بها على نطاق واسع، لأنها  مرتبطة بوجدان الإنسان الأزلي في كل مكان وزمان .. ص 323. ثم ينتقل إلى عنوان آخر هو ( حب الوطن في الإبداع )، وفيه يناقش العلاقة بين المبدع وبين حب الوطن، على الرغم من وجود الأولوية أمام حب الذات ونرجسيته، وشكل حب الوطن ظاهرة لدى العشرات من المبدعين، وهو ما شكل ظاهرة من ظواهر إبداعهم، وفي بعض الأحيان يبدو مبالغا فيه، ولكنه يعطينا أمثلة، على تجسيد هذا الحب لدى الروائي الأمريكي وليم فوكنر والمسيقار الاسباني البصير رودريكو وبورخيس، وهناك أمثلة كثيرة، كما عند حمزاتوف وكانتزاكي، ولكن هؤلاء وغيرهم كثيرون، لا يخفون ضعف علاقة مبدعين فنانين وأدباء آخرين بأوطانهم..ص216. وهكذا نجد أن تجسيد هذا الحب عند المبدعين العرب، لا يقل شأنا كما هو لدى المبدعين في العالم، ويتوزع المبدعون العرب في العصر الحديث بين قوة الارتباط بالوطن ليعبروا عن ذلك حبا في إبداعاتهم وفي غيرها، وضعف هذا الارتباط الذي يعبرون عنه، من حيث لا يشعرون في سلوكياتهم ومواقفهم وأفعالهم، فيكون الصمت إبداعا عن التغيير عن حب الوطن، أو المبالغة في ذلك تغطية أو تعويضا عما تعبر سلوكياتهم وأفعالهم ..ص219، وأيضا يروي لنا أمثلة عن التعبير الصادق لحب الوطن، بالمخرج السينمائي الرائع يوسف شاهين، والشاعر الشعبي عبد الرحمن الابنودي والملحن بليغ حمدي والمطرب عبد الحليم حافظ، والمناضل غسان كنفاني، وفي المقابل يسوق أمثلة عن مبدعين لم يقدموا للوطن ما قدمه الذين تلبسهم حب الوطن. لينتقل بالسادسة:نوان جديد هو ( الرواية العراقية / الواقع والتقاليد )، ويعزو سر نجاح بعض الروايات التي ظهرت للمبدعين العراقيين، ولا يأخذن مساحة واسعة على مجمل ما أنتج خلال القرن العشرين، إلى الأعمال الواقعية, ولعل من ميزات مثل هذه الأعمال، التي تمتص حياتها من تراب الواقع..ص22 .
  الأيقونة السادسة : أوهام أخرى في الأدب والنقد.
              يبدأ الفصل بعنوان ، " عبد الخالق ألركابي وماركيز وآخرون " يتناول فيها تجربة الروائي عبد الخالق ألركابي وما أثارته أعماله من أطروحات نقدية مختلفة، مقارنا إياه بان أعماله تقترب من أعمال الروائي ماركيز، كون الروائي عبد الخالق مسكون بالهم الفني في أعماله، مثله مثل الكثير من الروائيين العرب والعراقيين، ويستعرض مسيرته الإبداعية، ويطرح أوجه المشتركات بينه وبين أعمال ماركيز، لكن الافتراق ضمن ذلك، متحقق أيضا ً ليعزز خصوصية ألركابي بشكل واضح ..ص249 . وفي عنوان " أدب الداخل وأدب الخارج " وهو في هذا الباب يؤكد حقيقة أن هناك أدب للعراقيين في داخل الوطن، وأدب خارج الوطن فرضه ثقل الأدباء الذين هاجروا مختارين أو مجبرين، إلى مختلف بقاع المعمورة بدءا ً بالنصف الثاني من السبعينيات بشكل خاص...ص 250،   ويرجع سبب غياب التلاقح بين أدب الداخل والخارج، الى الحصار الذي فرضته القوى الامبريالية على العراق، والى الثقافة المركزية التي كانت تتبناها الحكومة العراقية آنذاك. وإذ يتحول في الباب الذي يليه إلى المقاربة بين الباب الذي سبقه وهو " هل يمكن للسياسة أن تغيب الإبداع ؟ غائب طعمه فرمان وآخرون " ، وفي هذا الباب يقف في وجه المبالغات والكتابات التي لا تمت إلى الواقع بصلة لان الواقع، يطرح شيئا ً آخر، وذلك ليس دفاعا عن النظام السابق وإنما وقائع الحياة هي التي تسوق الحقائق، وان السياسة لا يمكن لها أن تلغي إبداع المبدع مهما وضعت حوله من حواجز، وان ما نشر عن غائب ليس بالقليل في ذلك النظام السابق، ولم يكن للنظام موقف تجاهه أو غيره، وهذه المبالغات لم تكن عن معرفة ودراية، بما يحدث في داخل الوطن عن علم أو بغير علم، ويسوق أمثلة على ذلك. وأخيرا يختم كتابه  وأيقونته الأخيرة بعنوان ( الحوار في الرواية العربية / بين العامية والفصحى )، وهو إذ يناقش الموضوع من زاوية الخلاف بين من يتشدد في رفض فكرة الكتابة بالعامية، في القصة والرواية وبين المؤيدين لها، فهو يرى أنها تشكل أزمة أكثر منها مشكلة، ولكنه يعتبر أن كتابة الحوار بالعامية يأتي من واقعية العمل القصصي أو الروائي، ونجاح الكتابة التي لا تؤثر على بنية العمل حتى خارج محيطه، تأتي من قدرة الكاتب وحيوية التقاطه للألفاظ وتطويعها، ويعطي أمثلة في أعمال العديد من الروائيين العرب والعراقيين، بل أن ذلك يعتمد إلى حد ما كبير على التجربة الفردية لكل كاتب، وربما في كل عمل بذاته...ص268 .
هومسيك / الوطن في غبار المبدعين ..
         في الكتابين السابقين، لم يحدث ما يثير حساسية العلاقة بين الناقد نجم عبد الله والمبدعون الذين تناولهم، على الرغم من انه تحدث عن المشكلات والأزمات، وتحدث عن قضايا المبدعين بمنتهى الصراحة، ولكن في كتاب ( هومسيك ) تباينت ردود الأفعال، واعتبر بعض المثقفين ما جاء فيه انتقاص لهم ولبقية المثقفين الذين تناولهم، وكتبت العديد من المقالات كردود فعل لما جاء في الكتاب ونشرت صفحات ملحق جريدة الزمان ( إلف ياء ) جزء من هذه المساجلات ورد المؤلف، واعتبره البعض انتقاصا لمثقفين لهم مكانتهم وحضورهم الثقافي على الساحة العربية والعالمية، والسؤال لماذا مس هذا الكتاب مشاعر بعض المثقفين وبالأخص المبدعين الذين غادروا العراق قبل الاحتلال أو بعده  ؟، علما انه يندرج كما أسلفنا في المقدمة، بالحوار بين الأنا والآخر كما في الكتابين الآخرين، وتكمن مسالة الحساسية حسب اعتقادي، لان كتاب هومسيك، مس مشاعر العلاقة بين المبدع والوطن، أكثر الذين تناولهم كانوا خارج الوطن لعقود، دون أن يزوروه، إلا من خلال السطور التي كتبوها وهم يتغنون بحب الوطن، أو كما قال جاؤا بعد الاحتلال لأيام ثم غادروه إلى المكان الذي استوطنوا فيه، فأثارت هذه النقطة حساسيتهم لأنها تجردهم من أهم نقطة في إشكالية الإبداع، فيما كتبوه أو فيما ادعوا أنهم غادروا الوطن لأسباب سياسية..والتشدق بالديمقراطية  ، والكلام في حقوق الإنسان، والمبالغة في التعبير عن حب الوطن. ص12، وعلى الرغم من انه يعتبر هذه الظاهرة ليست عراقية وإنما ..هي ظاهرة عربية بامتياز، ووضح أنها تختلف من شخص إلى آخر، وكذلك مع ما وضعه من إيضاح.. بان الغالبية العظمى ممن سنتناولهم..... إن لم نقل جميعهم من كبار المبدعين العراقيين... ص15.إلا أن المسالة أخذت عندهم بعدا يمسهم شخصيا ً ما خلف النقد.فلماذا ؟
هومسيك بين الأنا والآخر..
            جاء الكتاب ب 166 صفحة من القطع المتوسط، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، قسم الكتاب إلى سبعة مواضيع، ولكل موضوع عنوان، ووضع في البداية تنويه عن كيفية ظهور هذا الكتاب، ثم اتبعها بمقدمة، وضع لها عنوان ( الوطن ضحية )، والعناوين الباقية ( الذات ثم الذات ثم الوطن / حب الوطن إبداعا ً/ أحب العراق.. ولكن دعوني أغنيه وأنا بعيد عنه / مبدعو الخارج بين الوطن والمنفى / شجرة فاضل وحديقة لطيفة / كلمة أخيرة: المضيع ذهب والمضيع وطن ..؟، في هذه الفصول السبعة يتناول المؤلف التوصيف الذي يتوافق فيه مع كتاب سلام عبود " ثقافة العنف " الذي يقول فيه سلام " إن موضوعي هذا من وجهة نظر أخلاقية ... فهو لا يعنى بدراسة مستوى التعبير الفني، ولكنه يعنى بتشخيص أوجه السلوك البشري من خلال النصوص الأدبية، ومن خلال مواقف الأدباء، "، نقلا عن كتاب هومسيك، ص15 ، وهو ما يحملنا للنظر إلى العناوين التي وضعها مؤلف كتاب الهومسيك للفصول، جميعها تصب في هذا المنحى، فهو يأخذ مسالة الوطن ببعدها التاريخي والحضاري ويعطي أمثلة عالمية وعربية وعراقية على ذلك، ويشكل الوطن في ضمير المبدعين قضية أكبر من الذات، لهذا تتسم هذه العلاقة بالتضحية، كما يحدث في الانتماءات الحزبية والعقائدية والإيديولوجية، ولكن إذا أصبح الوطن مجرد بقرة حلوب متى ما جف ضرعها، تذهب للسلخ أو الاستبدال، فهذا هو الموضوع الذي يناقشه المؤلف، خصوصا عندما يكرس المبدع جزء ليس بالقليل من إبداعه في الحديث عن الوطن وعشقه وتذكر أيامه ولياليه، وهو جالس على شواطئ الريفيرا أو يسوح في شوارع لندن وباريس واستراليا وأمريكا ..الخ، والآخر يتلظى بحر وبرد الوطن وانقطاع الكهرباء ورداءة الخدمات، وتعبئة الاستمارات الشهرية للمناطق الحزبية، ومطاردات الجيش الشعبي، أو الخدمة العسكرية، وشظف العيش والحصار، والكبت الجنسي لعدم استطاعت الشباب من الزواج مع تكاليف الحياة، كل هذه وغيرها من منغصات الواقع العراقي، ويأتيك الآخر وهو يقبض الإعانات ورواتب ممن يسمون أنفسهم معارضة، ومن هذه الدولة وتلك المعادية للعراق والتي تريد النيل منه، ليقول لك ( أنت كنت تعمل مع النظام الدكتاتوري ، أو كتاباتك مكرسه للنظام الدكتاتوري ) ، بلحظة يشطب على كل الضيم والقهر والحرمان، حتى يظهر نفسه المتفوق، وانه كان يناضل في حانات الشرق والغرب مع الشقراوات والسمراوات، من اجل تحرير الوطن من الدكتاتورية، وعندما انتهت الدكتاتورية يقول لك ( آسف يصعب علي العيش في مثل هذه الحياة التي تعيشونها لقد تعودت وعائلتي الحياة الأخرى ). انتم تعودتم على رداءة الخدمات، والآن أصبحتم متآلفين مع المفخخات والتفجيرات والمليشيات والقتل بالجملة، أما أنا فيصعب علي ذلك وعلى عائلتي وأولادي.
ما بين الذي كتب في الكتب السابقة والهومسيك
         إذن وهنا لسنا في معرض الدفاع عما كتبه نجم عبد الله، بقدر ما ننقل واقعا نعيشه، إن المشكلات التي تحدث عنها في كتابيه السابقين يتوضح الكثير مما جاء فيهما في كتاب ( هومسيك )، إي ان الانتكاسات الفكرية التي صاحبت العملية الإبداعية والسياسية، هي جزء من الإشكالية في شخصية الفرد العراقي، وخصوصا ً إذا كان مبدعا ً وله امتياز نقل مشاعر الآخرين عبر الكلمة واللون والصوت، وهذا ما لم يناقشه المؤلف، فقد تناول العملية الاغترابية، من نرجسية الذات المبدعة وتضخمها، وهو وان ناقش حالة عشق الوطن لدى الكثير من المبدعين العالميين والعرب، ولكنه لم يتناول الحالة العراقية بالتفريق، وعدها جزء مما هو موجود في العالم الآخر، وفي الرجوع لمسالة مهمة أستشهد فيها المؤلف ولم يناقشها : " إن سلوك الفرد يختلف باختلاف المكان المحيط به. فالفرد – الفرد نفسه – في المدينة قد تختلف استجاباته عما لو كان في قرية، أو في منطقة جبلية .. " ص6.هومسيك. وحتى في هذا التعميم لابد من التخصيص، فان الإنسان المتحضر، والذي يقع مكانه ضمن دائرة التحضر هو غير الإنسان في بلد متخلف حضاريا ً، مما يعني أن ما ينطبق على المبدع في البلدان المتحضرة ، لا ينطبق على المبدعين في البلدان المتخلفة، وهذا هو ما حصل فإننا لو أحصينا المبدعين في الوطن العربي والعراق بالذات، فسنجد ان الأكثرية أو الغالبية العظمى هم من أبناء الأرياف والقصبات والبوادي، وطبيعيا ً ليس هناك ما يحمل هؤلاء على التعلق لطبيعة الحياة المتخلفة والقاسية والخالية من تحقيق أي حلم حتى في ابعد صوره، وفي الكتاب يعترف د. نجم عبد الله بهذه الفوارق، ويوعزها إلى سببين، الأول الموروث،.. ولكن من الطبيعي، ومع كل المشتركات ما بين الإنسان والإنسان، أن نجد الفوارق بين الواحد والآخر، وفقا ً للفروق الفردية والجنس، والعنصر، والبلد، والمرحلة التاريخية ..الخ ص25.مصدر سابق. وجعلها نقطة غير معني بها، والثانية المكتسبة،.. ونعني به الفروق التي تفرضها الظروف التي يتعرض لها أو يمر بها الفرد الواحد من بيئة، وتربية، وحيوانات، وضغوطات، وتحولات المجتمع والمكان...ص26.مصدر سابق ، ويوعز عدم الارتباط لبعض الفئات بالوطن، ومنهم الفنانين إلى ..حب الذات الذي كثيرا ً ما يصل حد النرجسية..، دون االسابق.ي الاعتبار، الحالة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، التي هي الأساس في تحديد هذه العلاقة، فكما سبق القول أن أغلبية مبدعي العراق هم من المتحدرين من الأرياف والبوادي والمناطق الصحراوية، وبالتالي طبيعة المنشأ بعدم وجود المغريات لا تجعل للآخر ذلك الارتباط ألحميمي، أما الادعاء والمبالغة بحب الوطن والتغني به، فهذه من صلب شخصية الفرد العراقي ان كان مبدعا أو غير مبدع، فدراسات علم الاجتماع والنفس، تتحدث عن صيغة المبالغة والادعاء في الشخصية العراقية، ولا نريد ان نذهب إلى ما ذهب إليه العلامة علي الوردي، ب ( ازدواجية الشخصية ) ولكن المبالغة والادعاء توصلنا إلى الازدواجية، وهو التحليل الذي سيورده في فصل ( أحب الوطن )، والنقاط التي أوردها والأمثلة عن الشخصيات تدلنا على الفوارق، بين الأشخاص من أصول مدنية، الذين ظل سعيهم مرتبط بالوطن ككيان مادي يعيشه يوميا ً،  وبين الأشخاص الذين أصبح الوطن لديهم مجرد أغنية أو قصيدة أو استذكار، وهم من صنف، " نحب الوطن ونغنيه، ولكن دعونا بعيدين عنه " ص57.المصدر السابق.إضافة إلى أن طبيعة العراقي حسية، والحسي مصلحته الذاتية تأتي في المقام الأول، وهو يشير إلى هذه النقطة، " فان هذا الخروج لم ينطلق بالضرورة من ظلم نظام أو قمعه، بل لم ينطلق أحيانا ً من معاناة أو مشكل أو صعوبات حياة فردية" ص131.مصدر سابق. وهو يرى أن هذه النقطة تتبع إلى ما سماه  (الحمى الجماعية )، كما حدث في قضية سامكو وغيره من الأفاقين الذين ظهروا بفترات على الساحة العراقية، ليسرقوا أموال العراقيين بالحيلة، وركض ورائهم الجميع، ويلخصها في أربعة دوافع، " إسقاط الفرض، وكسب الجمهور وحمى التنافس، والتغطية على حب الذات، وتأنيب الضمير " ص134، المصدر السابق.
          إن كتاب الهومسيك بغض النظر ان كنا مع ما جاء فيه، أو ضد بعض أو كل، فهو يمثل احد المنعطفات النقدية المهمة في الثقافة العراقية، خصوصا وهو يناقش طلائع الشعب من المبدعين والمثقفين، وكان على المثقفين وبالأخص مثقفي الخارج، ان يناقشوه بروية وموضوعية لا بتشنج وغلبة العاطفة على العقل للدفاع فقط، وقد قرأت اغلب الردود وكانت أكثرها انفعالية ودفاعية، حتى كتابة مبدعنا خضير اللامي، على الرغم من موضوعية ما كتب الا أنها كانت كتابة فيها الانفعالية والدفاعية، ومن هنا كان على المثقفين أن يقفوا على الحقائق بتجرد من خلال مصارحة ذواتهم، لتكون تجربة رائعة فيها إخلاص للذات وتطهير لها، وإلا لماذا نعتبر آراء د. علي الوردي النقدية مهمة وان السلطات السابقة أهملتها، ولا نأخذ بآراء حديثة لمشكلاتنا الحياتية والفكرية، لا أريد ان ادخل في استعراضي للكتب الثلاث في الجدل، حتى لا يقال جاء كتاب هومسيك على الجرح لأنه لم يترك العراق في ذلك الزمن وهذا الزمن مع ما موجود له من ظروف في الخارج هي أفضل من الذين خرجوا، ولكن تجربتنا في الداخل علمتنا الكثير، وواحدة من هذه أن الإخوة والرفاق والأصدقاء الذين غادرونا، جاء قسم منهم وهو في حالة تعالي وكأنه حط من القمر ليفرض آرائه على أدباء الداخل، لاعتقادهم أنهم يحملون حضارة الغرب إلى مجتمع بدائي، ونسوا أنهم تثقفوا في هذا البلد، وبنوا مجدهم على ارض الوطن وحملوه ليبارزوا فيه في الخارج، وعندما وجدوا ان الذين في الداخل لديهم من المحمول الثقافي اكبر مما هو يحمله راح يزايد، انتم كنتم مع النظام، وهذا في الحقيقة ما يوضحه كتاب الهومسيك، لهذا اعتبره جزء من المشروع الذي يشتغل عليه د. نجم عبد الله كاظم في تصويره للأنا والآخر، ويراد له إعادة قراءة من رفاقنا في الخارج، ليرفدوا التجربة بنتاج اعتقد أنها ستكون رائعة، لأنها ستحمل صدق الوقوف أمام الذات بتجرد، والاعتراف بالآخر كرفيق وزميل وند.
         
           
        

     
         
            
        




1 – هومسيك: الوطن في غبار المبدعين،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2011، ص 14 .
2 – الآخر في الشعر العربي الحديث: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010. ص14.
3 – ص38، المصدر السابق.
4 – المصدر السابق
5– أيقونات الوهم ( الناقد العربي وأشكاليات النقد الحديث ): دار الشروق للنشر والتوزيع ، نشر بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون لعام 2010. عمان.الأردن 2011

6- عبد الستار إبراهيم : الإنسان وعلم النفس، ص190 ( نقلا من ص 24) . هومسيك. مصدر سابق.

نادية فليح ... تحمل الوطن بابداعها .

ناديه فليح ..تحمل الوطن بإبداعها
-       مؤيد داود البصام

         الوطن قضية نسبية في داخل الإنسان، والنسب تختلف من إنسان إلى إنسان، واختلافها بمقدار البعد والقرب من البناء الحضاري العام الذي يتسم به الوطن والإنسان نفسه، إن العلاقة الحميمة التي تتطور بين الفرد والوطن كمكان وأشياء، تنبني من خلال مجموعة عناصر وعلاقات ومحمولات، تندمج داخل الفرد لتشكل بالخزين الصوري والذهني مجموع الذكريات ومحمولاتها، الذي يتلبس الشخص ويصعب الهروب مما يتلبسه، ولعل البنية الحضارية لبناء الفرد هي الركن المهم في تحديد هذه العلاقة، التي يضحى من الصعب الفكاك منها، لأننا لا يمكن ان نحاسب رحالة غير مستوطن، على فكرة الوطنية، فالأرض جميعها وطنه لأنها تحمل مجمل ذكرياته التي بناها خلال فترة تنقله وترحاله، وهو ما يفرق بين الوطن المتجسد بهذه الذكريات وكل المعطيات المكانية والزمانية، والأشياء الموجودة في المكان، وبين اللاوجود المحدد للمكان، الذي تفرضه البنية المادية للتطور الحضاري لأي مجتمع إنساني ، وبما أن الفنان جزء مهم من البنية الحضارية لأي جماعة، حتى عندما ندرس فنان ما قبل التاريخ ،( فنان الكهوف والمغار )، فهو كان يعبر بشكل وآخر عن لحظة من التطور الحضاري الذي يفرزه عن الآخرين في الرؤية والتفكير، كانت الصور التي اكتشفت هي البعد الحضاري بمنظور تلك الفترة لتفرد الواحد عن الآخر، إذن هناك ارتباط وعلاقة ووشائج بين التعلق بالوطن بكل أنساقه، وبين الإنسان بمراحل تطوره الحضاري والذهني، مع ما يتداخل في الأساس بمسالة استقرار وجوده على الأرض، وتكريس حياته لإنشاء البنى التحتية التي تربطه بالمكان، وتشكل لديه هذا الخزين من الذكريات والصور المتراكمة، يتساءل غالب هلسا ويجيب على تساؤله في مقدمة كتاب ( جماليات المكان لغاستون باشلار) " ما هو المكان في الصورة الفنية؟ هو المكان الأليف أي بيت الطفولة، إنه المكان الذي ولدنا فيه، ومارسنا أحلام اليقظة، وتشكل فيه خيالنا " ص7،.. ويفسره لاحقاً غاستون باشلار أيضا، " أحلام اليقظة تضئ ذلك الدمج بين القديم وبين المستعاد من الذكريات، وهذه المنطقة التي تنفتح على تاريخ سحيق يرتبط فيها الخيال بالذاكرة، كل منهما يعمق الآخر، " (1) ولهذا أي تغيير أو تشويه للصورة الجميلة التي نحملها عن المكان، ومقدار وعينا ومعايشتنا له، ستحرك دوافع من الداخل تنتفض لانتهاك قدسية العلاقة، بين الإنسان والمكان، وهو ما يسموه البيت أو الوطن، وعندما أقدم المحتل الأمريكي على تمزيق مدينة بغداد، وجاء بكتل كونكريتية ليشوه صورتها في عيون ناظريها، تحركت الانفعالات التي تحمل دلالات الرفض، وتجسدت بالقصائد والقصص واللوحات التي تظهر بشاعة الجريمة لاعتقال القيم الجمالية للمدينة، وغلق تنفسها الحر،  جاء الرفض بصيغ مختلفة، ليكثف هذه اللحظة الانفعالية ويصدر صريره الخارج من الأعماق، في رفضه لهذا التشويه الذي أحدثه المحتل، بأكاذيبه التي اختلقها في حماية العراقيين من بعضهم البعض، وليمنع القتل البشع الذي جلبه وعصاباته نسخة طبق الأصل لما كانت وما زالت تقوم  به عصابات شيكاغو في أمريكا، مصوراً المسالة وكأنه جاء إلى شعب متوحش خارج نطاق الحضارة والتاريخ، تأكله الأحقاد والضغائن ويترعرع فيه الجهل وحروب البرابرة والبدائيين، وليس إلى بلد وليد عشرات العقود من الحضارة التي قادها رسل الحضارة السومريون والبابليون والآشوريون، والتي اغنوا الحضارات العالمية ومهدوا لتطوراتها الحضارية والتقنية الحالية، بعلومهم وفنونهم التي أبهرت القاصي والداني، ومنها أمريكا التي احتلت البلاد والعباد نفسها.
الصورة وتعبير الرفض
          وإذا استطاعت الفنانة ناديه فليح في معرضها، ( قراءات لحواجز ) ان تقدم لنا الشكل المشوه الذي فرضه الاحتلال على مدينة بغداد، بذائقة جمالية لتجسيد القبح بمنظور جمالي، بما سمته (قراءات لحواجز)، العنوان يعطينا المعنى المقصود، إنها تقرأ ما وراء المنظور، ما حاول القبح  أن يغطيه ويلغيه، فقد وضعت الخيارات بين نقل التشويه بقبحه، كما اشتغل عليه بعض الفنانين في قصص أو أشعار أو لوحات لإبراز مدى الحقد الدفين على العراق وشعبه وبالذات مدينة ألف ليلة وليله بغداد، أو تعطي الصيغة الجمالية للمدينة التي شوهت، وهو الخرق للعلاقة بين الرؤية البصرية المعتادة عليها وبين الرؤية البصرية المستحدثة، وهذا فرق كبير كيف تنتج جمالا من القبح، هذا هو معنى الرفض الذي اشتغلت عليه، لم تأخذ المسألة من منظور الاشتباك بين الفن والسياسة، كما اشتغل عليها بعض الفنانين والأدباء والكتاب، وإنما من منظور العلاقة الجمالية المرسخة في ذهنية الفنان للمكان، وكيف تبقي الرؤية البصرية تحمل قيمها الجمالية وسط الخراب والتدمير، فعندما يتمكن الفنان من انجاز مهام عبوره خط المهارة، ويبدأ خط الإبداع في الاشتغال، بدأت الفنانة ناديه حراكها لإيجاد المعادلة بين التمكن والحداثة، هنا يأتي السؤال كيف استطاعت الفنانة ناديه فليح، الولوج بالخط الإبداعي بعد ان اجتازت التعلم والدربة، وأصبحت ماهرة في تكويناتها الفنية من الناحية الأكاديمية والمناهج الإبداعية الأخرى، لتنتقل إلى حالة جديدة من الوعي في مزج النص مع الشكل، والتأكيد على النص لخلق حالة الإبداع ومظهراته بدون ان تزحزح الشكل إلى خلف النص، فتظهر هذا التأكيد على قوة النص ومتانة الشكل، من خلال مزج مهارتها في فن الكرافيك وفن الرسم مع تقنيات حديثة تستخدمها لاغتناء النص، وذلك باستخدام مواد أخرى، مثل الأسلاك المعدنية والخيوط  والقضبان ومواد أخرى، مع الرسم، هذا البعد الذي اشتغلت عليه، أوصلها لإيجاد صلة بين التخريب الذي مارسه المحتل وبين استخدامها مواد صلبة وبارزة، تحول سطح اللوحة إلى محمول ذهني يشترك في التفاعل معه المتلقي، التخريب بمواجهة المهمل من المواد الذي وضعته في  لوحة يمثل الصراع بين القيمة الجمالية للمكان وبين التشويه الذي أحدثه المحتل، مستخدمة الألوان الباردة الحيادية الرمادي والأبيض مع اللون الحار الأحمر، لإبراز حدية الفعل، ومنح عملها الفني دلالات شكلية تخدم النص وتقوي فاعليته مع المتلقي لتوليد عنصر الدهشة والاستفهام، للوصول إلى حالة التفاعل والاندماج، وقد استطاعت أن تتحرك بالألوان مع هذه الخامات التي تمثل شكل من إشكال الحياة وخرابها، مصورة هذه الجدران كالسجن، مستخدمه قضبان وحبال على ظهر اللوحة لتأكيد النص، بما يسمى، (إحداث الصدمة )، واستمرت في منح لوحتها مساحة الفضاء بالون الرصاصي مع ضربات اللون الأبيض، وفي كل أعمالها التي قدمتها، كان هذا التجانس بين اللون وتقنية المواد الأخرى التي استطاعت بها من تدجين القبح ليظهر جمالية ما وراء التعسف الذي أحدثه المحتل، في جماليات المدينة وذاكرتها..
الهوامش:

1- غاستون باشلار، جماليات المكان. ترجمة غالب هلسا.كتاب مجلة الأقلام. بغداد.1980.ص43.


الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

شجاع العاني بين الامس واليوم. في دورة السرد.

شجاع العاني بين الأمس واليوم في دورة السردي
-        مؤيد داود البصام
* المقدمة:
         يعتبر النقد أحد أهم مفاصل العملية الإبداعية في نموها وتطورها، واهتمت الأمم المتقدمة بالحوار النقدي الذي قادته الفلسفة، وقد تأسس النقد كحالة تفسير ورفض، من خلال الأسئلة التي وجهها الفلاسفة لمعرفة كنه الوجود، واعتبر الطريق الرئيسية التي فتحت الأبواب للتطورات الحضارية للشعوب المتقدمة في بناءها العلمي والتكنولوجي، ومن هنا كان النقاد وما زالوا يمثلون روح الأمة ونشاطها للتطور والتقدم في كافة مجالات الحياة الفكرية والعملية، وعلى الرغم من تعثر النقد في المنطقة العربية، بسبب التخلف والجهل وسيادة روح البداوة وسيطرة العقلية الريفية على مجتمعاتها، اللتان تقفان بالضد والنقيض من أي تطور للمنهج النقدي في المجتمع باعتباره شيئا جارحا يمس كرامتهم، قبل ان يكون أمرا للتقويم والبناء، فقد ظهر في الوطن العربي والعراق نقاد مهمين شقوا طريقهم ببالغ الصعوبة، متحدين القوى التي ذكرناها، ليرسوا ويرسخوا الحركة النقدية العربية، ويعتبر د.شجاع مسلم العاني واحد من أهم النقاد في العراق والعالم العربي، قدم على مدى أكثر من نصف قرن إبداعاته النقدية، من خلال تدريسه لطلبته  كأستاذ أو كتاباته النقدية في السرد العراقي والعربي، التي جاءت عبر المقالات والدراسات المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية أو عبر كتبه التسعة التي أصدرها والتي سنأتي عليها لاحقا ً، وقد وضع خطواته الواثقة في الدراسات النقدية السردية، وأسس لبناء علاقة وثيقة بين النص والناقد باعتباره مسؤولية أخلاقية قبل ان تكون عملية إبداعية، وحاول أن يؤسس منهجا نقديا مختصا بنفسه، مركزا على القيم الجمالية التي يحملها النص، وكشف اللامرئي في النصوص الإبداعية، وملاحقة القيم الجمالية التي تكشف مكامن قوة النص، متخطي بذلك المناهج الانطباعية والآراء المبنية على رؤى إيديولوجية، ان كانت ضمن الحدود الأكاديمية وصرامتها وقوانينها الفكرية والفنية، أو ضمن انطباعاته التي حاول ان ينأى بها عن المشاهدية، وبعيدا عن غائية المقصد إيديولوجيا أو مصلحيا، وهو وان صرح بتأثره بالمنهج الشكلي الروسي والبنيوية، إلا انه حاول ان يستفيد من هذه المناهج وغيرها من المناهج الغربية، لا ان يستنسخها ويقلدها، ولكن باعتبارها قوة معرفية منحتنا الرؤية الى ضرورة معاينة النص الأدبي عند نقدنا إياه، وان لا تقتصر دراستنا على الظروف الخارجية المحيطة بالنص، وقد وصف الروائي علي بدر في مقدمته لكتاب د.شجاع العاني، (قراءات في الأدب والنقد ) ، واصفا ًمنهجه في الدراسات النقدية الذي اختطه عبر هذه السنين، " هناك جاذبية ما، جاذبية تذكر في كل الإعمال النقدية التي كتبها د. شجاع مسلم العاني، ليس في حدتها النقدية الباهرة، أو في تمييزها الفائض المعنى بين النص وعملية إنتاجه، وليس في عباراته الصافية التي تتمسك بجاذبية لا تنكر وحسب، إنما في تعبيرها الضروري بين المنهج بوصفه فكرة تجريدية ذات نزعات كليانية والعملية النقدية بوصفها واقعة تجريبية" (1).. فكون عبر هذه الرؤية النقدية الذاتية التي حملت بين طياتها جهدا أكاديميا ً لم يتخلى عنه، موقفا وبناءا قائما على أسس العلاقة بين المرسل والمرسل إليه، وإخضاع هذه العلاقة إلى التجربة الحياتية، بالاقتراب من روح النص وتأكيد على التجربة الذاتية، في مصطلحها خارج دائرة القوانين التي تكبل الحس الجمالي وقيمه بشروحات وتعقيدات لايحتاجها المتلقي لكشف جمالية النص، وجاءت هذه الرؤية  النقدية، من خلال جملة عوامل ذاتية وموضوعية، كان أهمها هضمه للمناهج النقدية العربية والعالمية، في الوقت الذي كانت تتلاطم في الساحة الثقافية العراقية والعربية والعالمية مدارس متعددة أغرقت النقد بمصطلحات وشروحات وتداخل بين الرؤية الإبداعية وبين تفكيك وتشريح النص، وهي وجهات نظر أبعدت قسم منها، الكثير من المتلقين عن متابعة العملية النقدية، لأنها أصبحت نسقا خاصا لنخبة بدأت تتقلص تدريجياً وتنكفئ على ذاتها.
التطور وتاريخ المراحل...
         لا ينكر ما لأهمية المراحل التاريخية التي يمر بها المبدع التي تكشف عن آلية تطوره أو نكوصه وتراوحه في مكانه، بينما الزمن يسير بوسع انفتاح هذا العالم، وشجاع العاني من الشخصيات التي استمرت في تنمية قدراتها وملاحقة التطورات الفكرية والأدبية على صعيد تطور السرد محليا وعربيا وعالميا، وملاحقة المناهج النقدية وتطورها في العالم، مع ملاحقته لمعظم ما يصدر في الساحة العراقية والعربية والعالمية من قصص وروايات وكتابات إبداعية، ويتضح ذلك من خلال الأمثلة والشواهد التي يقدمها ان كانت في كتاباته أو عند تحدثه في المحاضرات والندوات، ومما لا شك فيه أن تأثيرات أعوام الستينيات من القرن الماضي، والحراك الفكري الذي أنتج ثورة فكرية في الثقافة العراقية خصوصا والثقافة العربية والعالمية عموما، كان له تأثيرا مباشرا على مجمل تفكيره وتطوره الثقافي،  فلم يكن بعيدا عنها، وإنما كان في صلب الحدث، فقد صاغت الإحداث التي عاشها العراق والوطن العربي والعالم، حياة جديدة، أستطاع الشباب في وقتها من حمل رسالة التغيير، وقد حاولت الدوائر الرأسمالية كعادتها الاستفادة من إي تغيير في المجتمعات لتجييره إلى صالحها والى جني الإرباح منه وان لا تجعله قوة مضادة لها، إلا ان قوة قيادة الشباب ذات الميول اليسارية، الذين قادوا الحركة الثورية والطلابية بالذات، ألقى بثقله وفوت على القوى الرأسمالية الفرصة لتجيير الحركة الثورية لصالحها، على الرغم من نجاح هذه القوى في النهاية من السيطرة والتحكم بمساراتها، ولكنها لم تستطع في بداية الأمر من وضعها تحت سيطرتها، وفرض الاندفاع الهائل للحركة الثورية التي قادها الشباب ذوي الاندفاعية الثورية واليسارية، من إظهار وجودها وحققت ما تريد ولو على صعيد بعض الحقوق التي لم تلغي عبودية الشعوب لرأس المال التي كانت من أهم أسس ثورة الشباب حينها، ولكن تحققت بعض المطاليب في الحرية وحق التعبير وقضايا أخرى ثانوية، وهذا هو بيت القصيد حدوث تغيير في المفاهيم عالميا ومحليا، حينهاعرفت صديقي شجاع العاني مع مجموعة أصدقاء طليعيين في الفكر والفن، وكان بعضهم أصدقاء مشتركين لنا مثل الشاعر الراحل سركون بولص وموسى كريدي ومالك ألمطلبي واحمد فياض ألمفرجي وعبد الأمير الحصيري وثامر مهدي ومؤيد الطلال وآخرون لا يسع المجال لذكرهم، من الجيل الذي أطلق عليه جيل الستينيات، وكان هذا اللقاء منتصف ستينيات القرن الماضي، وقد تناولت بعض هذه الذكريات في مقالات نشرت في جريدة الزمان الدولية، عندما كنا نحرك الشارع الثقافي، إمام سلطة متخلفة عن الركب الحضاري للشعوب المتقدمة، ويتمثل ذلك بالوزارة التي تعنى بشؤون الثقافة التي كان العاملون فيها يرفضون الحداثة، أو بالإصدارات التي كان يستحكم على سلطتها عقول لاترغب في التجديد، ويعتبرونه مثلبة، كان شجاع من ضمن هؤلاء المثقفين وحركتهم الثورية بنهجها العام الذي كنا جميعا نتحرك ضمنا فيه،  ولم نكن نفكر ما هو المستقبل الذي سيأتي بعد هذا التمرد، ولكننا كنا نتوق لبناء عالم جديد، كنا نحلم به، وكما قال د. محسن الموسوي في إحدى لقاءاتنا، في معرض استذكارنا بعد أربعة عقود لتلك الأيام في مدينة عمان مع الشاعر حميد سعيد: لم نكن نطمح لتغيير الواقع العراقي، وإنما العالم باجمعه... ومن بين أهم الإحداث التي كنا نمارسها، لبناء عالمنا المنشود، هو هذا اللقاء اليومي ألحميمي بغض النظر عن اختلاف أساليب تفكيرنا وعقائدنا وانتمائنا، وسيادة الفكر اليساري علينا جميعا، وما كان يتمخض عن هذه اللقاءات من أحاديث ومناقشات وتبادل الآراء وآخر المستجدات على الساحة الثقافية العربية والعالمية وتبادل الكتب والإصدارات الجديدة، واختلاط الفكر والإحداث السياسية بمسارات النقاشات، وقراءة النصوص لبعضنا البعض، هذه الحياة التي خلقت جوا من  الألفة والحميمية وتلاطم كل هذه الأفكار، كان هناك عجالة لملاحقة التطور، فبنيت العلاقات بين الفنانين والأدباء وباقي الأنساق الفكرية والثقافية، وتداخلت بحيث كان هناك صوت مسموع بين كل نسق وآخر وتداعي للالتحام بين الأنساق، فلم تمر مسرحية إلا وكان الجميع حاضر في عروضها وتظهر الكتابات عنها وتدور النقاشات في المقاهي الأدبية حولها، وهو ما كان يحدث عندما يقام معرض لفنان أو يصدر كتاب جديد عراقي أو عربي أو عالمي، ناهيك عن النقاشات التي كانت تدور عما يصدر في الصحف وآخر المستجدات من الإصدارات العربية والعالمية التي كانت تزخر بها المكتبات البغدادية في شارع المتنبي، ونتيجة هذا الزخم تأسست الكثير من المكتبات في الباب الشرقي، هذا الجو العام الذي كان يموج فيه الشارع الثقافي العراقي، كان شجاع العاني حاضرا في وسطه، وهو الجو الذي أرسى دعائم حرارة ملاحقة الجديد والجميل في الثقافة عموما والكتابات السردية خصوصا في فكر شجاع العاني، لقد ظل شجاع أمينا لهمه الثقافي ونهج تفكيره اليساري المتلاحم مع قضايا الجماهير، وهذا ما جعل نقوده في البدايات كما نجدها في كتابه ( المرأة في القصة العراقية) يتبنى أفكارا ضمن المنهج الانطباعي بنظرة اجتماعية وتاريخية أولا، لأنه السياق العام الذي كان يحكم البناء النقدي العربي والعراقي في تلك الفترة، مواكبا للرؤية الفكرية التي كانت سائدة في الفن والأدب، في ملاحقة القضايا الاجتماعية وإعطائها الأولوية على ضوء النهج الواقعي، والتي ستؤدي الى الواقعية النقدية الاجتماعية والواقعية الاشتراكية، ولكنه يشبع بناءه المعرفي في الاستفادة من الدراسات النقدية الغربية، ليضع رؤاه في أطروحة الدكتورة، ( البناء الفني في الرواية العربية في العراق )، التي قسمها إلى ثلاثة محاور، ( السرد والحكاية، الوصف وبناء المكان، وبناء المنظور  )، وفيها بداية محاولته أن يختط طريقا خاصا في منهجه النقدي، بدراسة البناء الفني في الرواية العراقية والعربية، كما يشير، أ.د. صبري مسلم " حرص الدكتور شجاع مسلم العاني على أن يستعرض مناهج النقد الأوربي الحديثة ويوحي بأنه استوعبها واستمد منها منهجه الخاص " (2) للخروج من الواقع الذي فرض نفسه على بناء الرواية والقصة في العراق من حيث الشكل والقيم الجمالية، مستفيدا من دراسته للمناهج النقدية الأوروبية التي سبقتنا في اتخاذ هذا المسار، وفي هذا يقول ،" يجب ان يكون لهما استقلال نسبي عن الايديولوجيا، أي أن الوظيفة الجمالية هي التي يجب ان تحظي باهتمام الناقد ثم تليها الدراسة الاجتماعية أو النفسية أو التاريخية ...حاوره سعدون هليل. الحوار المتمدن، صفحة الكترونية،(3) وهذا يوضح المسار التي اتخذته أطروحاته النظرية التي حملها كتابه الأكاديمي، ومحاولته ان يحفر خطا على صعيد نحته للمصطلحات أو ما جاء به من مصطلحات هندسية لوصف السرد وأبنية الزمان، النسق الدائري والحلقي وحركة مروحية أو لولبية ...الخ وهو ما يجعلنا نضع بداية العلامة على انطلاق الناقد شجاع العاني لبلورة منهجا خاصا به في تنظيره الذي كان يتحقق في قراءته للسرد العراقي من خلال تناول المقارنة والمفارقة، واستخلاص القيم الجمالية في النص، للمقارنة أو الإشارة في ذلك الى اعمال قصصية أو روائية عربية أو عالمية مقارنا إياها بالأعمال العراقية، أو متناولا إياها لتوضيح الفكرة، ولهذا ظل أمينا ان لا يجعل التنظير القوة الفاعلة في عمله النقدي، إنما التطبيق العملي للرؤية التي يكتب فيها الناقد، " لا يطير الطائر النقدي بجناحه النظري، ولا بد من الجناح التطبيقي أو العملي، والواقع ان نقادنا مقلون في هذا الجانب العملي" ، حوار التمدن، نفس المصدر السابق.  

شجاع العاني والأخر...
         إذا كانت أطروحته التي ضمنها محاولته ان يختط فيها منهجا نقديا خاصا به، فان كتاب، (قراءات في الأدب والنقد ) يوضح لنا هذا المسار، بتغليب الجانب التطبيقي على الجانب النظري في كتاباته، لأهميتها في تطور الأدوات النقدية للساحة الثقافية، وكذلك، منح المؤلفين الجانب الذي يضئ نصوصهم، ولم يكن مستغربا وهو القائل: "بفضل محمد خضير عليّ إذ شعرت أني ناقد حقيقي بفعل فنه العالي"، حوار متمدن. مصدر سابق، ولهذا يؤكد في نفس المقابلة، "، فالنص الجيد يخلق نقاده الجيدين أما الضعيف فلا." ، وفي هذا يضع محطته الرئيسية في أولوية التطبيق العملي على التطبيق النظري، فهو أول من أشار إلى أهمية البناء القصصي في كتابات محمد خضير وما تحمله من قيم جمالية في خرقها للسائد والموجود في القصة العربية والعراقية بالذات، ويستمر في متابعة هذا الحراك عندما وجد نفسه في قاهرة المعز للدراسة، حيث يجد نفس أجواء العراق في التجمعات والنقاشات والحوارات ان لم تكن أوسع، وكانت أجواء الستينيات من القرن الماضي التي ضربت عاصفتها إرجاء العالم والوطن العربي ما زالت أثارها في الأجواء القاهرية، وهناك قرأ شجاع رواية الطيب صالح ( موسم الهجرة إلى الشمال)، ونبه لها والى أهميتها، وكانت قد صدرت قبل فترة ليست بالقصيرة، مما نبه النقاد الى قراءتها والكتابة عنها، وهذا يفسر لنا جملة ما كان يحدث في بدايات مسيرة شجاع العاني النقدية، وما سيكون عليه مستقبلا، إذ انه بنى قدرته النقدية ليس على بنائها النظري وحسب وإنما جعل ما امتلكه من فهم وإدراك نظري، العصا التي يتكأ عليها لكشف القيم الجمالية في النصوص، وان الرؤية النقدية النظرية، ليست فرجال هندسي للتطبيق، إنما هي دليل للوصول الى الهدف وهي ليست الطريق أو الهدف، ومن هنا تأتي أهمية دراساته النقدية، التي عاينت مراحل التطور في النص من خلال تناول المؤلف للقيم الجمالية لخطابه، بالاستعانة بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية للواقع، وهذا ما سنجده في حديثه عن الرؤية النقدية للنصوص في أطروحته، "" إنّ منهج هذه الدراسة يقوم على دراسة الملفوظ وعملية التلفظ معاً ، ويتكوّن الملفوظ من جمل مختلفة بعضها سردي وبعضها الآخر وصفي وبعضها الثالث حواري . وفيما تفضي دراسة الوحدات أو الجمل السردية إلى دراسة أنساق بناء الأحداث وإلى عنصر الزمان في الرواية ، تفضي دراسة الوصف إلى عنصر آخر من عناصر الرواية هو المكان ، بينما تفضي دراسة الحوار بأنواعه المختلفة إلى دراسة بناء المنظور في مستواه التعبيري خاصة ..." (3) وهو المنهج الذي سار عليه في دراساته النقدية اللاحقة، عبر الدراسات النقدية التطبيقية للكتاب العراقيين خاصة والعرب عامة ، وإذ نقف بعد هذه السنين الطوال من مسيرة الناقد د. هوامش:لم العاني، التي قدم فيها جهدا نقديا استوعب التطورات التقنية والفنية في القصة والرواية العراقية والعربية، مقارنا إياهما بما وصل له السرد عالميا، فإننا نقف أمام قامة فكرية ونقدية قدمت الكثير، ولم تناقش باستحقاقها.

هوامش :
1-   د.شجاع مسلم العاني، قراءات في للأدب والنقد، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، 1999 ، ص5.
2-   أ.د. صبري مسلم . مناهج نقد الفن القصصي العراقي في الرسائل الجامعية. النور صحيفة الكترونية. 2008.
3-   الحوار المتمدن، صحيفة الكترو نية، حاوره سعدون هليل.
4-   شجاع مسلم العاني ، البناء الفني في الرواية العربية في العراق. السرد. دار الشؤون الثقافية. بغداد 1994. المقدمة






الأحد، 30 أغسطس 2015

مجلة امضاء والرقيم.





نشرت جريدة الزمان الدولية مفال مجلة امضاء والرقيم.- 

مؤيد داود البصام


  • دأبت الكثير من حكومات العالم الثالث في حقبة تصاعد المد اليساري والاشتراكي على القيام بدور نشر الثقافة بمختلف أنساقها، وبالذات النشرات الدورية والمجلات المتخصصة والجرائد والكتب، واعتبرت هذا العمل جزء من واجبها لتنمية وبناء الإنسان الفكري، وتطوير المجتمع، وأيضا دعاية أيديولوجية لفكرها وترويجه، بالأخص الحكومات ذات الإيديولوجية والحزب الواحد، على غرار الاتحاد السوفييتي الذي كان يرعى جميع الأنشطة الثقافية، بخلاف ما موجود في العالم الراسمالي، الذي يترك العملية للمقايضة بين البائع والشاري، ويعتبر الاداب والفنون سلعة لها قيمتها في السوق، إلا أن هذه المسألة في الدول ذات الانظمة الايديولجية وحكومة الحزب الواح، بقدر ما قدمت من خدمات عظيمة للثقافة، كانت تحمل مخاطرها التي ظهرت بعد ذلك، ولعل تجربة العراق ابتداء من صدور قانون المطبوعات عام 1969، ولغاية الاحتلال الأمريكي والغربي للعراق، الذي استلمت وزارة الثقافة البناء الثقافي للمجتمع على عاتقها، من خلال مسؤوليتها في طباعة وإصدار ودفع الأموال لنشر الكتب والمجلات، وكانت أكثر الكتب توزع مجانا، وبكميات كبيرة، مما حدا بالقراء وطبقة الأدباء إلى التعويل على ما يصلهم من كتب مجانا واهداءت المؤلفين، وتدريجيا بدأت تضعف روح البحث لشراء كتاب ظهر حديثا لمؤلف عراقي، وبات الانتظار لوصول الكتاب هدية أو الحصول عليه من إحدى الدوائر الرسمية بمنتهى السهولة هو المعول عليه، وكانت هذه المسألة من أخطر القضايا التي أصابت حالة الكساد للكتاب العراقي، وبعد احتلال العراق وضعف إمكانيات وزارة الثقافة، وهو ما سعت له الدوائر التي أوجدها الاحتلال، بدأت حقبة جديدة أمام الكتاب وكل مفاصل الثقافة العراقية، وتركت الثقافة عائمة ماديا، بعد أن كانت تستند بكامل قواها على الدولة، وهو ما أحدث إرباكا بين تولي وزارة الثقافة كل ما يهم النشر وبين التخلي كليا، وفي بداية الاحتلال قام مكتب المساعدات الأمريكية في الدفع لمن يصدر جريدة أو مجلة، ولكن هذا الدعم أيضا توقف بعد ذلك، مما أجبر الكتاب للبحث عن منافذ، يستطيعون من خلالها نشر إنتاجهم، وكانت هذه المسالة غاية في الصعوبة، وظهرت خلال الفترة من2003 إلى 2010 العديد من المجلات وهذا موضوع بحثنا، وكانت منها مجلات رصينة، إلا أنها لم تقاوم، لضعف الإمكانيات المادية وعزوف القارئ العراقي عن الشراء، وهو ما حدي بها إلى التوقف بعد إعداد بسيطة بعضها توقفت بعد العدد الأول، وعندما ظهرت مجلة إمضاءات، وعمل لها بعد صدور العدد الأول جلسة تقييم في قاعة اتحاد أدباء العراق، قلنا يجب على طاقمها إن يفكر بمسالة الاستمرار، فقد حدث وصدر في العراق بالذات مجلات لم تتولى الدولة تمويلها، إنما كانت تمويلا ً ذاتيا ً لشخص أو أشخاص، ولكنها سرعان ما توقفت بعد إعداد بسيطة، وبعض الأحيان بعد عدد واحد، لان المسالة المالية هي التي تحدد استمرار المطبوع حتى يثبت وجوده، فيمول نفسه بنفسه وقد يحقق إرباحا ً، (على الرغم من أن هذه المسالة ميئس منها تقريبا في العراق والمنطقة )، ولنا مثالا على ذلك مجلة الآداب اللبنانية العريقة، فقد توقفت لأسباب مالية مع تاريخها الممتد لعقود، ولكن مجلة إمضاءات استمرت بالصدور بالجهد التعاوني بين الممول وطاقم التحرير، وأثبتت وجودها في المقالات والدراسات الجادة والموضوعية، وما تقدمه من مادة دسمة، غطت حقل السرد والدراسات السردية، واستطاعت أن تثبت وجودها في السوق الثقافية، كمجلة متخصصة بالدراسات السردية، وقد استطاعت أن تستقطب كتابا مهمين في الساحة الثقافية العراقية، على الرغم من ضعف التوزيع الذي تعاني منه، ثم تلتها مجلة الرقيم التي تصدر من محافظة كربلاء، وأيضا بجهد مالي فردي تقريبا، إلا إن منجزها الفكري بدء منذ العدد الأول يزاحم المجلات العريقة، ومما يميز مجلة الرقيم، هو نظرتها للإبداع على أساس الموقف الإنساني وليس الفئوي والقطري، ولهذا نجد أسماء عربية من كل الأقطار العربية، وهذه نظرة إلى جانب كونها تحقق مهمة دور الأدب والفن كونهما ثقافة إنسانية، لا يختصان بمنطقة أو فئة بشرية، فهي تبني خطابا جماليا رائعا على الانفتاح لتلاقح الأفكار، وسيادة العقل والإبداع على التقوقع ومديح الذات، ومن يطلع على الموضوعات المنشورة في مجلة الرقيم، يدرك الجهد الفكري في تنظيم خطابها النقدي، وتبقى المسالة والتي نرجو إن لا تحدث كما حدثت مع مجلات سابقة، هو نضوب القدرة المالية والتوقف، أن تتدارك المؤسسات الثقافية وبالذات وزارة الثقافة، لإيجاد صيغة لمساعدة هذه المبادرات الرائعة، وهذا الجهد الذي يحسب له رفع الغبن عن الإبداع العراقي ليأخذ مكانته بسبب قلة أماكن النشر، فهناك عشرات الكتابات الإبداعية مركونة على الرفوف ليس لها مجالا للظهور.

السبت، 29 أغسطس 2015

الفنان شداد عبد القهار..روح متجددة وعالم من البهاء





الفنان شداد عبد القهار..روح متجددة وعالم من البهاء
-        مؤيد داود البصام

         يشكل الفنان شداد عبد القهار، أحد الأرقام الصعبة في معادلة الفن العراقي والعربي، فهو لا يمثل النهج الذي يتكيء على الموروث والحفريات التاريخية لإضافة ما يوحي بالانتماء إلى اللوحة، لتبرير وجوده المحلي، ولكنه يشتغل ضمن إطار معرفي مدرك لأبعاد ما يقدمه، ومقدار هضمه للموروث والحفريات التاريخية السومرية والبابلية والآشورية، وإذا ما وقفنا على أعماله المتأخرة والمتقدمة، سنجد أنفسنا أمام رؤية بصرية احترافية في معرفة كيفية استنطاق الرؤى الجمالية بعناصرها في اللون والخط بعيدا ً عن مفهوم التنصيص، ويشتغل على إحالة الرقعة بأبعادها المنظورة إلى مدركات رئوية تندمج القيم الجمالية فيها مع الروحية التي تفيض بوجودها عبر تشكيلاتها الصوفية، لدى الفنان شداد بناء اللوحة يأخذ مفهومها مرتكز له عناصره التي تطرح نفسها بنسق له خصوصيته في الإبهار، وإذ تشكل بعض الأعمال مراحل متتالية ومتسلسلة في بنائية اللوحة لدى شداد، من حيث المشتركات اللونية أو الخطية، كنص تشوبه الرمزية لإخفاء الوجه الذي يحاوره عن مجموع المشكلات الإنسانية التي تشغله شخصياً، كونه جزء من مجتمع يعاني الكثير، إلا أنها لا تخرج عن نطاق البحث الدائب الذي يتواصل به الفنان شداد عبد القهار مع ظهر اللوحة بما يملكه من خزين معرفي وتجربة متواصلة، لإيجاد هذه الرؤية البصرية التي تطرح مفاهيمه المغلفة بالرمز، إن كان ضمن أسلوب التعبيرية التجريدية، أو التجريدية التعبيرية،( قد يعترض على هذا التحديد للمنهج في أعماله، لأنه يطرح أعماله بلا منهجية محددة )، على الرغم من تأكيده المباشر على إحاطة اللوحة بالرمزية،  إن جسد المرأة في لوحاته ليس الجسد الذي تتمثل حالة تجسيد الشهوة أو البعد الجنسي، وإنما قيمة جمالية تخلق من خلاله هذه الرؤى والهواجس الروحانية، لما تعبر عنه القيمة الجمالية المتجسدة في الحركة، أو في الانثناءة أو أي تواصل مع إبراز التعابير الداخلية، للكشف عما وراء ما يطرحه الشكل بمفهومه الإنساني البحت، وهو ما يدعونا للقول إنها رؤية مختلفة، أن الروح التي يشتغل عليها تبعث مدركات سامية، يمكننا اكتشافها في لوحاته المتأخرة في مجمل بتائيتها بما تحمله من قيم جمالية ورموز ودلالات، وإبداعات لونية تحمل هذا البهاء الممتع للرؤية البصرية، ان رقعة اللوحة لديه مجال متسع للمعرفة وكشف جوانب الحياة من خلال هواجس ومعاناة الإنسان العراقي.
الجديد في معرض 2012
        كيف يمكننا النظر إلى لوحة الفنان شداد عبد القهار، وهو يحاور رؤاه البصرية الممهورة باستنتاجات بصرية في اللون والخط ، يحكم نصها أبعاد إنسانية ومدركات معرفية، ينطلق فيها لتقرير أوضاع الإنسان والحياة وواقع حياته وحياة إنسانه عبر القماش، إنه يبتكر رؤاه الأكثر إيغالا في كشف معاناة الإنسان العراقي من خلال معاناته هو شخصيا، وهذه التكيفات مرهونة بشخصية شداد ومعاناته اليومية ككائن بشري يعيش الحصار الإنساني في وطنه بأبعاده الحقيقية والمجازية، لهذا ترسخ اللون الأصفر (الاوكر) كخط شد ما بين البنفسجي والرصاصي، ليؤكد ديمومة التعلق بالفضاء العراقي، مع هذه الكتل على ظهر اللوحة والبقع والحروق وايهامات السطح وخشونته، والتأكيد على الفضاء الأملس بامتداد الفراغ الذي يؤطر لوحته، بينما يأتي بجديدة في العمل الرقعوي المستطيل والذي يمثل خلاصة أعماله وتاريخها للفترة السابقة، مع الدفاتر التي كرسها للوحات رسمها مصغرات ثم أعاد رسمها بقياسات مختلفة، إن الالتباسات التي يوقفنا عليها شداد في عمله هو تأكيده على البقع والحفر والبروزات مع خشونة السطح، وإحاطة الأطراف بالمساحة الملساء، ان الرمزية التي تقود لوحته تشي بهذه الخلاصات للتجربة التي يؤكدها الفنان كمنطلق للأبعاد الإنسانية التي يكرس عمله لها، ويسوق قيمه الجمالية لإبراز معاناته اليومية ومعاناة الجماهير من جملة الأوضاع القاسية والمحبطة للنفس، ويأتي سؤالنا هل اللون هو التعبير المشاكس في أعماله أم الخط أو النص؟ إذ ما أخذنا اعمال شداد عبد القهار بمراحل متسلسلة، فإننا لن نجد خيط ترابط، ولكن إذا حاورناه بجملة أعماله التي يقدمها في معرضه الأخير أو السابق أو الأبعد، فإننا سنكتشف هذه الرؤية المتجددة التي تحكم لوحاته، فهي في تكيفاتها الرمزية لا تبتعد عن روحية أعماله السابقة، ولكنها تمنحنا أبعاد جديدة في خلاصة تجربته لحد الآن، في كيفية التعامل بين المنهج والنص، وخروج على السابق ولكنه ضمن المنظومة،  فلا يمكن الفصل بين البناء العام للوحته في الأعمال الماضية أو الحاضرة، وتوازنها العام من حيث قدرة السيطرة على إبعاد مجموع العناصر المكونة للبناء العام للوحة،  وهو ما يجعله كشاف للترحال بين كثبان التجديد والحداثة، وإيجاد القوة الدافعة في تحريك قدرة اللوحة على الانسجام بين الرؤية البصرية المحددة بإطارها وبين المتلقي في تلقيه الصدمة والدهشة التي تحدثها، إن اللون الذي يشوبه الضبابية وكأنه عجينة طينية ملونة، والبقع المستلة من أيقونات الفنون الرافدينية، هي التي تحدد مدركات لوحة شداد والرؤية البصرية لجماليات أبعادها، ولكنني لم أشعر بالتطابق بين العنوان الذي أختاره للمعرض الأخير في قاعة حوار للفنون، وسماه ( أوهام ) وبين مجمل أعماله التي عرضها، نعم هو أراد أن يخلق لنا عنصر الدهشة والتساؤل، وركز على المعاناة الإنسانية للفرد العراقي، في حرائق بعض لوحاته، أو هذا التضاد بين السلاسة والخشونة، ولكنني لم أجد وهماً كما طرح الفكرة بين العولمة الامبريالية، وبين ما يحدث بما يسمى ( ربيع الناتو العربي).




التعبيرية التجريدية وتوليد النص... فلاح السعيدي نموذج.


التعبيرية التجريدية وتوليد النص...فلاح ألسعيدي نموذج
          -   مؤيد داود البصام
         فلاح ألسعيدي فنان حواري، ويعني هذا القول في لغة الفن التشكيلي، أنه فنان يتبع العلاقات ويؤلف بين العناصر بروح السرد، ليبني تكوينه الذي يتبع أصل النص الذي يحاول إيصاله لنا، أعماله الواقعية التي قدمها في معارض سابقة، تتبع السلسلة التي اتبعها في أعماله المتأخرة الحداثوية، فهو يعيد تركيب الأشكال من واقعيتها إلى فنتازيات الرؤيا، حلم متناسق يطارد التشخيص، إن كان إنسانا أو حيوانا أو جمادا، إنه لا يرسم ضمن منهج التجريد، لان التجريد لا شعوري، وفلاح ألسعيدي فنان حواري، يعبر من خلال لوحته عن مشاعر متلاطمة، وأحاسيس بمدركات واعية، يبحث عن متنفس ليبث مشكلاته الإنسانية التي تلازمه وتقلق حياته وحياة الآخرين، ولهذا يلجأ إلى  التسطيح وليس التجريد، والدمج وليس إلى التفكيك،  ومن هذا الباب سنتحدث عن بنائية اللوحة، كلوحة نصية توليدية، تعتمد في إبراز قيمها الجمالية على عناصر الكتلة اللونية ومحددات الخط ضمن اطر موسيقية تعبيرية ، تستند إلى خلق حركة ذاتية في داخل اللوحة، وكأنها بناء متحرك، ليعبر بها عن تصميم مسبق لإظهار النص المختفي وراء الرموز والدلالات التي يبثها في الأشكال داخل الكتلة.
        الفنان فلاح ألسعيدي يسعى إلى  بناء لوحة توليدية تتجمع  العناصر فيها بوحدة نسق، وتكملها علاقات تشد هذه العناصر، لإبراز مفردة واحدة هو القيم الجمالية المنبثقة عن هذا التوليف ومدى تأثيرها المباشر على المتلقي، مسقطا روح النص إلى ما وراء الأشياء، التي تظهر لنا ولا توضح كحقائق مرئية، يتركز بناء اللوحة لديه على اللون بتدريجاته وتقاطعه في موسيقية تترتب ضمن حدود الخطوط التي تشكل مع اللون هذا التناغم،  وكثيرا ما يجعل اللون نقيا، معتمدا ً على فطرية الحواس، والتفاعل الوجداني الداخلي للمتلقي أمام لوحته، وهو ما يجعله ينمي العلاقة ما بين اللوحة والمتلقي بصورة تفاعلية محركا " المعادل الموضوعي " ليكون البديل عن أي رؤية مسبقة مرسخة في الذاكرة، إنما رؤية تصوغ نفسها آنيا ً لعالم البراءة والجمال، كيف يحدث هذا ؟ انه السؤال الذي نواجه به أنفسنا أمام لوحة فلاح ألسعيدي، ما هو الإيحاء الذي يسوقه ؟، إننا لا ندرك ما نريد معرفته إلا من خلال نص نحن نجترحه في اللحظة والتو عندما نقف أمام اللوحة، وتسطُرُ مخيلتنا دلائل تأويلها، الخيل تطارد الريح وأشجار تندفع للأمام، انه الفن التعبيري المتجرد من فرض النص كهيئة قائمة بنفسها ، فهو ماهر في إتقان الجانب التقني لهذا الأسلوب ويطوعه حسب هذا الإدراك المتسامي، بالشغف الذي يحتويه وبالموسيقى التي تتنامى مع اللون، وكأنك إمام شلال يتدفق وأنت أسفل منه، عالم زاخر بالألوان والخطوط الموموسقة.
بين الجديد والقديم ... تكتمل اللوحة.
        عندما نعود لأعمال الفنان فلاح ألسعيدي القديمة، سيضعنا في اكتشاف هذا التداخل بين القديم والجديد من أعماله، وكأنه يعيد علينا ما سبق إن رواه لنا ولكن بطريقة وأسلوب آخر، ليصل إلى ما يريد  معرفته، وهو مدى التأثر والانفعال الشعوري المصاحب للرؤية والتأويل، الإنسان والجماد والأشجار وكل موجودات الحياة، مصورات لا تتوقف أو تستقيم، حتى لو أخذنا لوحة المرأة التي تحمل طفلها، هي في حركة وتقدم للأمام، إن كان حملها يعبر عن مأساة تضعها أمامنا أو قضية أخرى، إلا أن في وجودها حركة ومسير، كل الأشياء تندفع إلى الأمام ، وهكذا نجد معظم لوحاته، التي هي سفر تكوين المعنى بين الرائي والمرئي، يخلق الاحتكاك للوصول إلى بناء المؤثر الشعوري المستخلص من النص إضافة إلى جمالية الشكل، عبر موسيقى الخط واللون وتقاطعهما، لبناء الوحدة المنسجمة، والتي تؤدي دور المركز، لبناء  ليس فيه مركز، إنما الكتلة جميعها تعبر بشكل وآخر عن المركز المتضخم.
الرؤية الجمالية ، لما وراء الأشياء.
          يحاول الفنان فلاح ألسعيدي السعي إلى التأليف الجمالي البصري بإعادة الصياغة التأويلية للنص إلى ذاته، باشتغاله على هذه الحزمة من الرموز والدلالات، التي تعج بها اللوحة، دامجا بتقنية عالية الجانب الفكري والجانب التقني، قد توحي للرائي انه بناء عشوائي خالي القصدية، ولكن عندما ندقق النظر يتوضح لنا هذا البناء القائم على تقنية عالية وتحكم في اللون وهو ما تقوم عليه اشتغالا ته السابقة والحالية، لترسيخ العلاقة بين اللون بكثافته وكتلويته وبين الخطوط بموسقتها وحركتها الرشيقة، حتى لنخالها أعمال نحتية أكثر منها رسوم على قماش، الكتلة تبرز ومن خلفها السطح المغاير،  فهو يتقن الإنشاء، فلوحته متقنة الإنشاء بموازنة عامة بين الكتلة والفراغ، الذي يسعى بجعل الفراغ مساحات لونية ذات مديات متسعة في أطراف اللوحة، ويبقي للحركة المستدامة المتمثلة بالكتلة التي تأخذ مساحتها في وسط اللوحة، جر الرؤية البصرية والتركيز على ما تحمله الكتلة من رؤيا، وهذا الانفصال للكتلة عن الفراغ يبرز عمق الحركة التي يسعى لكشفها بأوسع مديتها.
        كما سبق وان قلنا إن أعماله الواقعية تعود إلينا بتقنية حديثة، واستكمالا لرؤاه الأولى، ولكن بتسطيح اللوحة واغتناء اللون، وذلك ببعثرة التصميم الهندسي للشكل، وتكسيره على الطريقة التكعيبية مع محافظته على النص، إي انه لم يخرج عن البناء الأكاديمي العام، ولكن أوجد بؤر لونية مقطعة، خلقت سطوعا بصريا بديلا عن الانبهار الذي يحدث في الرؤية الواقعية للتشخيص، انه يخلق مساحات للفضاء الداخلي للوحته باللون وتقطيعه، وإعادة صياغة البناء للفضاء، بالمساحة اللونية، إنه يعطي لما تحدثه اللوحة من تعبير آني، أهمية قصوى، لهذا يؤكد على الحركة الداخلية للتشخيص داخل الكتلة، وتبقى لوحة فلاح ألسعيدي لوحة مفعمة بالحركة، وقوة إدراك جمالية الخط وموسيقى الألوان.




الفنان شداد عبد القهار.. روح متجددة وعالم من البهاء.

الفنان شداد عبد القهار..روح متجددة وعالم من البهاء
-        مؤيد داود البصام

         يشكل الفنان شداد عبد القهار، أحد الأرقام الصعبة في معادلة الفن العراقي والعربي، فهو لا يمثل النهج الذي يتكيء على الموروث والحفريات التاريخية لإضافة ما يوحي بالانتماء إلى اللوحة، لتبرير وجوده المحلي، ولكنه يشتغل ضمن إطار معرفي مدرك لأبعاد ما يقدمه، ومقدار هضمه للموروث والحفريات التاريخية السومرية والبابلية والآشورية، وإذا ما وقفنا على أعماله المتأخرة والمتقدمة، سنجد أنفسنا أمام رؤية بصرية احترافية في معرفة كيفية استنطاق الرؤى الجمالية بعناصرها في اللون والخط بعيدا ً عن مفهوم التنصيص، ويشتغل على إحالة الرقعة بأبعادها المنظورة إلى مدركات رئوية تندمج القيم الجمالية فيها مع الروحية التي تفيض بوجودها عبر تشكيلاتها الصوفية، لدى الفنان شداد بناء اللوحة يأخذ مفهومها مرتكز له عناصره التي تطرح نفسها بنسق له خصوصيته في الإبهار، وإذ تشكل بعض الأعمال مراحل متتالية ومتسلسلة في بنائية اللوحة لدى شداد، من حيث المشتركات اللونية أو الخطية، كنص تشوبه الرمزية لإخفاء الوجه الذي يحاوره عن مجموع المشكلات الإنسانية التي تشغله شخصياً، كونه جزء من مجتمع يعاني الكثير، إلا أنها لا تخرج عن نطاق البحث الدائب الذي يتواصل به الفنان شداد عبد القهار مع ظهر اللوحة بما يملكه من خزين معرفي وتجربة متواصلة، لإيجاد هذه الرؤية البصرية التي تطرح مفاهيمه المغلفة بالرمز، إن كان ضمن أسلوب التعبيرية التجريدية، أو التجريدية التعبيرية،( قد يعترض على هذا التحديد للمنهج في أعماله، لأنه يطرح أعماله بلا منهجية محددة )، على الرغم من تأكيده المباشر على إحاطة اللوحة بالرمزية،  إن جسد المرأة في لوحاته ليس الجسد الذي تتمثل حالة تجسيد الشهوة أو البعد الجنسي، وإنما قيمة جمالية تخلق من خلاله هذه الرؤى والهواجس الروحانية، لما تعبر عنه القيمة الجمالية المتجسدة في الحركة، أو في الانثناءة أو أي تواصل مع إبراز التعابير الداخلية، للكشف عما وراء ما يطرحه الشكل بمفهومه الإنساني البحت، وهو ما يدعونا للقول إنها رؤية مختلفة، أن الروح التي يشتغل عليها تبعث مدركات سامية، يمكننا اكتشافها في لوحاته المتأخرة في مجمل بتائيتها بما تحمله من قيم جمالية ورموز ودلالات، وإبداعات لونية تحمل هذا البهاء الممتع للرؤية البصرية، ان رقعة اللوحة لديه مجال متسع للمعرفة وكشف جوانب الحياة من خلال هواجس ومعاناة الإنسان العراقي.
الجديد في معرض 2012
        كيف يمكننا النظر إلى لوحة الفنان شداد عبد القهار، وهو يحاور رؤاه البصرية الممهورة باستنتاجات بصرية في اللون والخط ، يحكم نصها أبعاد إنسانية ومدركات معرفية، ينطلق فيها لتقرير أوضاع الإنسان والحياة وواقع حياته وحياة إنسانه عبر القماش، إنه يبتكر رؤاه الأكثر إيغالا في كشف معاناة الإنسان العراقي من خلال معاناته هو شخصيا، وهذه التكيفات مرهونة بشخصية شداد ومعاناته اليومية ككائن بشري يعيش الحصار الإنساني في وطنه بأبعاده الحقيقية والمجازية، لهذا ترسخ اللون الأصفر (الاوكر) كخط شد ما بين البنفسجي والرصاصي، ليؤكد ديمومة التعلق بالفضاء العراقي، مع هذه الكتل على ظهر اللوحة والبقع والحروق وايهامات السطح وخشونته، والتأكيد على الفضاء الأملس بامتداد الفراغ الذي يؤطر لوحته، بينما يأتي بجديدة في العمل الرقعوي المستطيل والذي يمثل خلاصة أعماله وتاريخها للفترة السابقة، مع الدفاتر التي كرسها للوحات رسمها مصغرات ثم أعاد رسمها بقياسات مختلفة، إن الالتباسات التي يوقفنا عليها شداد في عمله هو تأكيده على البقع والحفر والبروزات مع خشونة السطح، وإحاطة الأطراف بالمساحة الملساء، ان الرمزية التي تقود لوحته تشي بهذه الخلاصات للتجربة التي يؤكدها الفنان كمنطلق للأبعاد الإنسانية التي يكرس عمله لها، ويسوق قيمه الجمالية لإبراز معاناته اليومية ومعاناة الجماهير من جملة الأوضاع القاسية والمحبطة للنفس، ويأتي سؤالنا هل اللون هو التعبير المشاكس في أعماله أم الخط أو النص؟ إذ ما أخذنا اعمال شداد عبد القهار بمراحل متسلسلة، فإننا لن نجد خيط ترابط، ولكن إذا حاورناه بجملة أعماله التي يقدمها في معرضه الأخير أو السابق أو الأبعد، فإننا سنكتشف هذه الرؤية المتجددة التي تحكم لوحاته، فهي في تكيفاتها الرمزية لا تبتعد عن روحية أعماله السابقة، ولكنها تمنحنا أبعاد جديدة في خلاصة تجربته لحد الآن، في كيفية التعامل بين المنهج والنص، وخروج على السابق ولكنه ضمن المنظومة،  فلا يمكن الفصل بين البناء العام للوحته في الأعمال الماضية أو الحاضرة، وتوازنها العام من حيث قدرة السيطرة على إبعاد مجموع العناصر المكونة للبناء العام للوحة،  وهو ما يجعله كشاف للترحال بين كثبان التجديد والحداثة، وإيجاد القوة الدافعة في تحريك قدرة اللوحة على الانسجام بين الرؤية البصرية المحددة بإطارها وبين المتلقي في تلقيه الصدمة والدهشة التي تحدثها، إن اللون الذي يشوبه الضبابية وكأنه عجينة طينية ملونة، والبقع المستلة من أيقونات الفنون الرافدينية، هي التي تحدد مدركات لوحة شداد والرؤية البصرية لجماليات أبعادها، ولكنني لم أشعر بالتطابق بين العنوان الذي أختاره للمعرض الأخير في قاعة حوار للفنون، وسماه ( أوهام ) وبين مجمل أعماله التي عرضها، نعم هو أراد أن يخلق لنا عنصر الدهشة والتساؤل، وركز على المعاناة الإنسانية للفرد العراقي، في حرائق بعض لوحاته، أو هذا التضاد بين السلاسة والخشونة، ولكنني لم أجد وهماً كما طرح الفكرة بين العولمة الامبريالية، وبين ما يحدث بما يسمى ( ربيع الناتو العربي).